الصحافة

هل يملك لبنان ردّ وصاية سوريّة مؤجّلة؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لا يمكن للتحوّل السوريّ الذي أنهى نظام بشّار الأسد في دمشق إلّا أن يكون شأناً داخليّاً لبنانيّاً. لا يملك بلدنا إلّا إطلالة برّيّة واحدة على العالم من خلال الحدود مع سوريا. لا يمكن لثقل التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا، ولأجندات أيّ نظام سياسيّ يحكم دمشق، إلّا مدّ ظلال عرفنا جلافتها في ظلّ النظام السابق. وكما تيتّمت قوى في سوريا من غياب الرعاية والنفوذ، لا تُخفي قوى في لبنان الضيق والنزق والحقد على خسارة حليف عاشت في كنفه حاكماً لدمشق لأكثر من 5 عقود.

إن نكتب ونثمّن اللحظة السوريّة ونعتبرها حدثاً إقليميّاً دوليّاً تاريخيّاً، آخذين بالاعتبار ما أفصح عنه الرئيس أحمد الشرع وما برح يردّده، خصوصاً للقلّة ممّن أُتيحت لهم فرصة اللقاء به من اللبنانيّين، وجب أن تكون لحظة مؤسّسة لشكل العلاقة بين سوريا ولبنان. إذا كان اللبنانيّون وجدوا، خلال حكم الأسد الأب والابن، الوصاية السوريّة من الثوابت وإن عارضوها، فإنّ عليهم، وربّما قبل السوريّين، القطع مع فكرة الاستقواء بالخارج، أيّاً كانت طبيعة ذلك الخارج وطبائعه.

نعرف أنّ بلدنا، بأحجامه وموازين قواه ودوره على الخرائط، لا يملك ترف زعم القدرة على الاستقلال إلى حدّ الانفصال عن محيط عملاق، فما بالك إذا كان هذا المحيط مالئ الدنيا وشاغل الناس؟!

نعيش داخل براكين من أديان ومذاهب وأيديولوجيات وتضارب مصالح تُفرّخ ميليشيات ونوازع تفسّخ وانقسام. تلقّينا، وما زلنا نتلقّى، وهج المشاريع الطموحة من مقاسات محليّة وقوميّة وأمميّة. وفق ذلك، قدر لبنان، بعجينته المتعدّدة المعقّدة، أن يكون ضحيّة للأعراض الجانبيّة لظاهرة الأنظمة العسكريّة، وقيام وسقوط البعث أو قيام وسقوط الناصريّة، تماماً كما قيام جمهوريّة الوليّ الفقيه واحتمال اندثارها.

وفق ذلك الواقع، كرهناه أو أحببناه، لا يملك البلد أن يكون محايداً على ما يروج من دعوات محليّة بعضها مخلص النيّة والقصد. البلد مضطرّ إلى أن يقبل تنازع اللبنانيّين أنفسهم بسبب غرائز انزياحهم وفق رياح ترقى إلى مستوى الأعاصير في محيطنا. قد لا يستطيع لبنان أن يشبه في حياده سويسرا حاليّاً، في وقت تراجعت دول عريقة مثل فنلندا والسويد عن ذلك الحياد الذي صمد في عزّ سطوة الاتّحاد السوفيتيّ أثناء الحرب الباردة وانهار في عهد روسيّ يقوده فلاديمير بوتين.

بمعنى آخر، لم يكن الحياد ليكون في أيّ دولة في العالم إلّا إذا ارتأت دول الصراع ذلك وارتضته مصلحة لها. لا يكفي أن يكون قرار الحياد سياديّاً ذاتيّاً، بل يحتاج إلى مصادقة دوليّة تحميه وترعاه حتّى إشعار آخر. في حالتنا لن يجتمع اللبنانيّون على قرار ينأون به بأنفسهم نهائيّاً عن أنواء الخارج. حتّى لو اجتمعوا على ذلك جدلاً، فإنّ ذلك الشرق الأوسط (وليس أوروبا) الذي يحيط بنا لا يعرف تلك البدعة التي قد تستبطن في ثناياها خبث الانحياز.

لا يستطيع لبنان، وهذا ما يجب أن يدركه بدقّة خصوم التحوّل السوريّ في لبنان، أن يكون محايداً عمّا يجري وسيجري في سوريا. إن لا تسمح ظروف النظام الجديد في دمشق بإظهار مخالب ظلاله على لبنان وقدراته على ذلك، فإنّ باستطاعة لبنان الدولة أن يضبط شكل التأثّر بالحدث السوريّ وربّما ردع شططه. لكنّ السلطة التنفيذيّة أظهرت تخبّطاً في مقاربة التحوّل السوريّ والتلعثم من واقعه، ولم تلاقِ بيروت بالترحاب المناسب ما ردّده الشرع من حرص على سيادة لبنان واستقلاله وعدم التدخّل في شؤونه.

لحسابات يدركها الرئيس السوريّ في مستقبل حكم سوريا، يتقصّد أن يرفض لعب أدوار يستدرجه إليها أنصار الخارج، أكثر من الداخل، تنصّبه زعيماً “سنّيّاً” عابراً للحدود. إضافة إلى سوريّةِ مشروعه داخل حدود بلده، وربّما لعدم وجود توق شخصيّ إلى طموحات أثبتت تجارب زعامات عربيّة سابقة فشلها، يستوجب نجاحه السوريّ أن لا يتلاعب بتوازنات إقليميّة لها أصحابها في المنطقة والعالم. حرص الشرع بحنكة منذ الساعات الأولى لتحرّك قوّاته في تشرين الثاني 2024، على طمأنة العراق، وعمل لاحقاً على بعث رسائل متكرّرة بأنّه مع علاقات احترام متبادل مع بيروت، مغلقاً ملفّ أذيّة أتت من لبنان، عارضاً الانفتاح على كلّ اللبنانيّين.

مع ذلك يخشى لبنان من “وصاية” مقبلة لا محالة. حتّى إنّ دبلوماسيّاً أميركيّاً بحجم توم بارّاك أوحى بها على شكل وعد وتوعّد. صحيح أنّ الرئيس السوريّ لا يقبل الاستجابة بشكل واسع لتحديد مواعيد متدافعة يطلبها ساسة لبنان المخلصون في دعمه أو المنافقون له لعقد لقاء معه، غير أنّ استدراج وصاية دمشق الجديدة الذي تلحظه النداءات العلنيّة في لبنان باسم مظلوميّة السنّة، يستبطن من جهة انتقاماً من وصاية دمشق السابقة، وتهويلاً من جهة أخرى بالاستقواء بخارج يعدّل من موازين قوى فرضها الاستقواء بخارج آخر.

يكاد وزير العدل عادل نصّار يقسم أنّ اتّفاق تسليم مئات من السجناء السوريّين إلى بلدهم قد تمّ بناء على مفاوضات تحترم سيادة لبنان. ذلك الاحترام هو نتاج قرار تمسّكت به دمشق على الرغم من لغط وتلكّؤ وتعدُّد رؤى شابت مواقف بيروت. ستسترجع دمشق مواطنيها، فيما لا يبدو في همّة الحكومة خطّة موثوقة واعدة تقفل ملفّ الموقوفين الإسلاميّين اللبنانيّين. وإن تتقدّم قيمة الاحترام في خطاب العدالة ووزيرها، فإنّ ذلك الاحترام الذي يخصّ موقوفين لبنانيّين مفقود تلتهمه حسابات طوائفيّة في دركها الخبيث.

من ذلك الملفّ المحلّيّ يستنجد لبنانيّون بدمشق القريبة. قد لا يتمكّن لبنان من ردّ استقطاب يفرضه التحوّل في سوريا ولو بعد حين، لكنّ بيروت إذا أرادت يوماً تستطيع امتصاص قَدَرِ ذلك الاستقطاب والتقدّم بالدولة الواثقة لفرض نفسها قطباً وحيداً للبنان، سواء في إنصاف اللبنانيّين واحتكار شروط العلاقة الصحيحة والصحّية مع كلّ الخارج، بما في ذلك سوريا، أو في امتلاك حصريّ لقرار يحبط خططَ من قرّر قبل أيّام جرّ لبنان من جديد إلى حرب جديدة من أجل خارج بعيد.

محمد قواص- أساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا