بين النفي والالتباس: أسئلة مفتوحة حول مستقبل تيار المستقبل
ما نُشر على قناة «الحدث» لم يكن مجرّد تفصيل إعلامي عابر، بل بدا أقرب إلى رسالة سياسية محسوبة، وُجّهت في جانب منها إلى الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري، وفي جانب آخر إلى كل من يراهن على إمكانية العودة إلى المشهد السياسي من دون تحديد واضح للموقع أو الخيارات.
أزمة وضوح في الموقع السياسي
حين تتحدّث قناة بحجم «الحدث»، ذات المرجعية السعودية المعروفة، عن لقاءات أو تفاهمات أو حتى تعاون انتخابي محتمل بين تيار المستقبل وحزب الله، فإن الأمر لا يُقرأ بمعزل عن مرحلة طويلة من الضبابية التي طبعت أداء التيار بعد خروج الرئيس سعد الحريري من الحياة السياسية.
نفي أحمد الحريري، مهما كانت صياغته حاسمة، لا يبدّد الأسئلة الأساسية المطروحة. فالإشكالية لا تتعلّق فقط بعقد لقاء من عدمه، بل بكون اسم تيار المستقبل بات مطروحًا في سياق تفاهمات سياسية حساسة، ولو على مستوى الاستحقاقات الانتخابية، وتحت عناوين مثل «الضرورة» أو «إدارة المرحلة».
هذا التطور يعكس تحوّلًا في موقع التيار، الذي قام تاريخيًا على مواجهة سياسية واضحة مع مشروع حزب الله، ويضعه اليوم أمام تحدي إقناع جمهوره بجدوى تأجيل الملفات السيادية، أو الاكتفاء بالصمت، أو التعامل مع الوقت كأداة سياسية.
بعلبك وعرسال: عودة موسمية
في هذا الإطار، جاءت زيارة أحمد الحريري إلى بعلبك وعرسال، والتي يصعب فصلها عن الاستحقاق النيابي المقبل، أو عن محاولة إعادة التواصل مع قواعد شعبية ابتعد عنها التيار لسنوات. فهذه المناطق لم تكن في صلب الأولويات بعد عام 2011، وبقيت العلاقة معها محكومة بالحضور الرمزي أكثر مما هي مبنية على عمل سياسي مستدام.
أهالي بعلبك لم يحتاجوا يومًا إلى زيارات موسمية لتذكيرهم بتاريخ رفيق الحريري أو بخياراتهم الوطنية. دعمهم لتيار المستقبل في أصعب المراحل كان تعبيرًا عن قناعة بمشروع سياسي واضح، وحين تراجع المشروع وبقي الاسم، ظهر الخلل.
فالاسم وحده لا يصنع سياسة، والحنين لا يكفي لبناء موقع، والإرث السياسي يحتاج إلى رؤية واستمرارية. المرحلة التي أعقبت انسحاب سعد الحريري اتسمت بمحاولة إدارة الفراغ أكثر من صياغة بديل، وبانتظار إشارات الخارج بدل إنتاج قرار داخلي، ما وضع التيار في مساحة رمادية سرعان ما تحوّلت إلى مأزق.
من هنا يمكن فهم البعد الإقليمي لما نُشر، ليس بوصفه استهدافًا شخصيًا، بل كمؤشر إلى نهاية مرحلة الغموض. فالدول المؤثرة، وفي مقدّمها السعودية، تبدو أقل استعدادًا لدعم قيادات أو تيارات من دون خيارات سياسية واضحة. من يرغب في العودة إلى الساحة، عليه أن يحدّد موقعه بوضوح، وألا يترك اسمه عرضة للتداول في سياقات كان يُفترض أن تبقى خارج الحسابات.
من الإرث إلى الدور الحالي
تيار المستقبل نشأ على قاعدة مشروع دولة ومواجهة سياسية صريحة. ورفيق الحريري لم يكن رجل تسويات مريحة، بل صاحب رؤية دفع ثمنها اغتيالًا. تحويل هذا الإرث إلى مادة موسمية أو رصيد انتخابي عابر يفرغه من معناه، ويضعف حضوره في الوعي العام.
الخلاصة أن التحدي المطروح اليوم أمام أحمد الحريري وقيادة التيار لا يكمن في الردود الإعلامية، بل في إعادة تعريف الدور السياسي للمستقبل، وصوغ موقع واضح في مشهد لبناني شديد التعقيد. فمع كل نفي، تتكرّس حقيقة واحدة: التيار بحاجة إلى مراجعة عميقة لمساره إذا أراد استعادة مكانته في المعادلة الوطنية.
في السياسة، من لا يحدّد موقعه بوضوح، يُحدَّد له. ومن يراهن على الوقت وحده، يكتشف غالبًا أن الوقت لا يعمل لمصلحته. وما كُشف أخيرًا ليس نتاج حملة أو سوء نية، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التردّد وغياب الرؤية.
ديما حسين صلح - جنوبية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|