عيسى الخوري: لبنان يدعو المانيا الى شراكات والاستفادة من فرص استثمارية حقيقية
الاستثمار الخليجي يختار سوريا... الحبتور نموذجاً
يقف لبنان اليوم خارج مسار التحولات الاقتصادية الكبرى في المنطقة، متفرّجا على ديناميات جديدة تتشكل من حوله من دون أن يكون جزءًا منها. فبدلًا من أن يستفيد من موقعه وإمكاناته ليحجز لنفسه مكانًا على خريطة الاستثمارات، لا يزال أسير اهتزاز سياسي ومالي مزمن، يعطل أي فرصة جدية لجذب الرساميل أو استعادة الثقة، رغم كل ما يرفع من شعارات عن التعافي والإصلاح.
المفارقة باتت صارخة إلى حد الإحراج، يقول خبير مالي، فسوريا، الخارجة من حرب مدمرة، تعود تدريجيا إلى خارطة الاستثمارات الإقليمية وتوقع اتفاقات بمليارات الدولارات، فيما يعجز لبنان، بكل ما يملكه من موارد بشرية وموقع جغرافي وإمكانات كامنة، عن إقرار خطة تعاف اقتصادي شاملة أو حتى مشروع واضح لمعالجة الفجوة المالية. وبينما تتحرك العواصم العربية والدولية لاقتناص الفرص في دمشق، يبقى لبنان أسير الانقسام والتردّد وتضارب المصالح.
التحذيرات الدولية لم تتوقف. فالبنك الدولي يشدد على أن أي استقرار يعيشه لبنان سيبقى قصير الأجل ما لم يرفق بإصلاحات بنيوية شاملة، ترتكز على برنامج واضح مع صندوق النقد الدولي. المطلوب ليس أرقاما ظرفية أو مؤشرات محسنة على الورق، بل رؤية اقتصادية تمتد بين ثلاث وخمس سنوات، بسياسات متماسكة، وموازنة تعكس أولويات فعلية، واستثمار إنتاجي يضع الاقتصاد على مسار نمو مستدام. ومن دون ذلك، يخاطر لبنان بتكرار فصول انهياره بدل الخروج منها.
غير أن المشكلة الأعمق تكمن في عجز لبنان عن استعادة ثقة المستثمرين الخليجيين، رغم كل المواقف الإيجابية التي أطلقتها الحكومة، ورغم المؤتمرات التي رفعت تحت عناوين "بيروت 1"الاستثماري وإنعاش الاقتصاد. فهذه المبادرات، رغم المشاركة العربية فيها من رجال أعمال، بقيت في إطار الخطاب السياسي، من دون أن تترجم إلى إجراءات عملية تضمن حماية الاستثمار وتعيد الاعتبار لدولة القانون. والنتيجة أن الرسائل الموجهة إلى الخارج بقيت ملتبسة، بل متناقضة في كثير من الأحيان.
في هذا السياق، تبرز تجربة مجموعة الحبتور كحالة نموذجية تكشف عمق الأزمة. ففي وقت كان فيه خلف الحبتور يجلس إلى جانب مسؤولين سوريين، معلنا التزامه بالاستثمار المسؤول والمساهمة في إعادة الإعمار، وموضع ترحيب رسمي وتأكيدات بحماية الاستثمار وتقديم التسهيلات، كان الرجل نفسه يعلن انسحابه الكامل من لبنان. ففي كانون الثاني، كشفت المجموعة أن استثماراتها في لبنان تكبّدت خسائر تفوق 1.7 مليار دولار، نتيجة القيود المصرفية وفشل الدولة في توفير بيئة آمنة ومستقرة، قبل أن تتخذ قرارا بوقف العمليات وتسريح مئات الموظفين وبدء مسار قانوني ضد
الدولة اللبنانية.
المفارقة هنا لا تحتاج إلى كثير شرح، يقول مصدر اقتصادي، فالمستثمر الخليجي نفسه، الذي يستقبل في دمشق كشريك في إعادة البناء، يغادر بيروت محملا بالخسائر والخيبات. وهذا لا يعبر فقط عن إخفاق مالي أو إداري، بل عن فشل سياسي شامل في طمأنة المستثمرين وحماية استثماراتهم. فالدولة التي تعجز عن حماية مستثمر بهذا الحجم، كيف يمكنها إقناع غيره بالمجيء أو بالعودة؟
إن تقاعس الدولة والقضاء عن التدخّل في الوقت المناسب، وعن معالجة ملفات أساسية كحقوق المودعين والاستقرار القانوني، وجه، بحسب المصدر، رسالة سلبية قاسية إلى المستثمرين الخليجيين واللبنانيين المغتربين على حد سواء. ومن هنا، يتصاعد العتب على الحكومة ورئيسها، وتطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية القبول باستمرار مصادرة أموال المودعين، وكيف يمكن التغاضي عن استهداف الاستثمار الخليجي في لبنان، بما يمسّ مباشرة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
بين مشهد الاستثمارات التي تتدفق إلى سوريا وواقع الانسحاب من لبنان، تتكرّس حقيقة واحدة، بحسب المصدر، وهي أن الأزمة ليست في نقص الفرص، بل في غياب القرار السياسي والإصلاح الحقيقي. ولبنان، ما لم يخرج من دائرة الوعود والشعارات إلى أفعال ملموسة تحمي الاستثمار وتعيد بناء الثقة، سيبقى على الهامش، شاهدا على فرص تصنع في مكان آخر، فيما يكتفي هو بإدارة أزماته بدل حلها.
هتاف دهام -"لبنان 24"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|