أحمد الحريري يرد على "الحدث" من عكار: "المستقبل" درع السعودية وقلعتها والميّ تكذّب الغطاس
الجيش بين الضغوط الأميركية والاستقرار الداخلي
أن يرفض قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في واشنطن تصنيف «حزب الله» «منظمة إرهابية»، فذلك يعبّر عمّا لدى الرجل من فهم وإدراك وطنيين لطبيعة لبنان وتعقيداته الداخلية والخارجية، ويعني ببساطة أنّ الجيش اللبناني لا يوافق على اعتبار «حزب الله» «كياناً إرهابياً» على المستوى الدولي، او على الأقل من منظور الدولة ممثلة بمؤسستها العسكرية.
البعض يرى انّ رفض هيكل تصنيف «حزب الله» «منظمة إرهابية» على مسمع الأميركيين ومرآهم وفي قلب عاصمتهم، يشكّل رسالة واضحة عن الأولويات اللبنانية وهي استقرار الدولة الداخلي، والحفاظ على الجيش كقوة وطنية جامعة، وإدارة العلاقات الدولية بحذر، خصوصاً مع واشنطن وحلفائها. ولكن الأهم، انّ هذا الموقف يؤكّد أنّ لبنان يعيش دائماً على حافة التوازن بين الداخل والخارج، بين الأمن والسياسة، وبين القانون والسياسة الواقعية، وأنّ أي خطوة أحادية قد تُحدث انفجاراً داخلياً أو إقليمياً.
لقد جاءت زيارة هيكل لواشنطن في توقيت بالغ الدقة، داخلياً وإقليمياً، حيث تتكثف الضغوط على لبنان سياسياً وعسكرياً، ويتزايد الربط الأميركي بين قضايا لبنان والنزاع المفتوح مع إيران وحلفائها في المنطقة. وقد عكست الزيارة، بما رافقها من مواقف، صورة واضحة عن طبيعة التعاطي الأميركي مع المؤسسة العسكرية اللبنانية، وعن التباينات القائمة داخل الإدارة الأميركية نفسها.
وخلال لقاءاته مع مسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية ومؤسسات أمنية اميركية، عرض العماد هيكل مقاربة الجيش اللبناني لدوره في المرحلة الراهنة، مؤكّداً أنّ المؤسسة العسكرية تبقى عنصر الاستقرار الأساسي، في بلد يعاني هشاشة سياسية واقتصادية غير مسبوقة. وشدّد على خصوصية الواقع اللبناني، وعلى أنّ معالجة القضايا الخلافية الكبرى، وفي مقدّمها سلاح «حزب الله»، لا يمكن أن تتمّ إلّا ضمن إطار قرار سياسي وطني جامع، لا عبر مقاربات أمنية أو ضغوط خارجية.
كذلك ركّز قائد الجيش على أهمية استمرار الدعم الأميركي للمؤسسة العسكرية، ليس بصفتها أداة صدام داخلي، بل في اعتبارها الضامن الوحيد المتبقّي للوحدة والاستقرار، في ظلّ الانهيارات المتلاحقة التي أصابت مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، أظهرت ردود الفعل الأميركية، أنّ هذا الدعم لم يعد منفصلًا عن شروط سياسية واضحة. فتحدثت وزارة الخارجية الأميركية في بيان عن «نزع سلاح الجماعات الإرهابية التابعة لإيران» و»تفكيك جميع الجهات الفاعلة غير الحكومية»، معتبرةً أنّ ذلك يشكّل عنصراً أساسياً في أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتعزيز السلام في الشرق الأوسط، ويعكس توجّهاً رسمياً داخل إدارته لدمج الملف اللبناني في سياق النزاع الإقليمي الأوسع، وتحديداً المواجهة مع إيران.
غير أنّ الموقف الأكثر حدّة جاء من داخل الكونغرس، عبر ما كتبه السيناتور الجمهوري اللصيق بالرئيس الأميركي ليندسي غراهام على منصة «إكس»، حيث كشف عن اجتماع «قصير جدًا» جمعه بقائد الجيش اللبناني، قال إنّه انتهى فور إجابة العماد هيكل عن سؤال عمّا إذا كان يعتبر «حزب الله» «منظمة إرهابية»، بالنفي «في السياق اللبناني». واعتبر غراهام «أنّ هذا الموقف يجعل من الصعب اعتبار الجيش اللبناني شريكاً موثوقاً»، مؤكّداً «أنّ «حزب الله» منظمة إرهابية ملطخة أيديها بدماء الأميركيين»، وفق تعبيره.
موقف غراهام الصدامي هذا عكس في وضوح تبايناً داخل الموقف الأميركي. ففي حين تعتمد وزارة الخارجية و«البنتاغون» لغة مؤسساتية أكثر براغماتية، تقوم على استمرار التواصل والدعم المشروط للجيش اللبناني، يميل بعض أركان الكونغرس إلى مقاربة أيديولوجية حادة، متأثرة إلى حدّ كبير بالرؤية الإسرائيلية، ولا تأخذ في الاعتبار التعقيدات اللبنانية الداخلية.
ويشير هذا التباين إلى وجود مأزق أميركي واضح يتمثل في أنّ واشنطن تريد الحفاظ على الجيش اللبناني كآخر مؤسسة فاعلة وقادرة، لكنها في الوقت نفسه تضغط عليه للقيام بأدوار تتجاوز إمكاناته وحدود مهمّته الوطنية، ثم تعود لتنتقده عندما يلتزم قراءة واقعية للواقع اللبناني يعبّر عنها العماد هيكل مراراً وتكراراً.
وفي أي حال، لم تكن زيارة هيكل لواشنطن فاشلة، لكنها كشفت حدود الرهان المتبادل. فقد أعادت تثبيت موقع الجيش كشريك لا بديل منه في حفظ الاستقرار، لكنها أظهرت في المقابل أنّ الدعم الأميركي له بات محكوماً بسقوف سياسية عالية، وبضغوط متزايدة، لدفع لبنان إلى خيارات لا يملك القدرة على تحمّل كلفتها.
ولكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً حول المرحلة المقبلة هو: هل تكتفي واشنطن بالضغط السياسي والإعلامي، أم تتّجه إلى إعادة النظر في مستوى دعمها للجيش اللبناني؟. وفي المقابل، كيف يمكن لبنان أن يحمي مؤسسته العسكرية من التحول ساحة نزاع بين الأجندات الخارجية؟
حتى الآن، يبدو أنّ موقف قائد الجيش، بكل ما أثاره من جدل، يعكس واقعية ضرورية، في بلد يقف على حافة الانفجار، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار في حدّ ذاته إنجازاً، في زمن الخيارات الوهمية.
ويبقى أنّ موقف هيكل يعكس التوازن بين الضغوط الدولية وحماية الاستقرار الداخلي. بمعنى آخر، الجيش يحاول تفادي أي خطوة تُظهر الدولة اللبنانية متعارضة كلياً مع حزب له ثقل كبير شعبي وسياسي داخل لبنان.
طارق ترشيشي - الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|