شتائم سيادة وسلاح: معركة جعجع–باسيل تتجاوز الخصومة التاريخية
بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية خصومة تاريخية، يظهر تجذّرها يوماً بعد يوم. فلا المصالحة ولا وثيقة التفاهم التي نتج عنها انتخاب العماد ميشال عون رئيساً نجحت في محو الماضي المثقل بانعدام الثقة بين الطرفين، لا بل إن سنوات عهد العماد ميشال عون والمطبات التي شهدتها زادت من الشرخ بين القوتين المسيحيّتين الأكبر. أسباب الشرخ متعدّدة تبدأ باتهام التيار للقوات بالانقلاب على العهد، وباتهام القوات للتيار بالانقلاب على وثيقة التفاهم، وما بين هذين الاتهامين، يبرز الخلاف السياسي الاستراتيجي حول عدد من الملفات ومن بينها الموقف من سلاح حزب الله ...ولا ينته الخلاف عند نقطة التنافس بين سمير جعجع وجبران باسيل على الزعامة المسيحية.
طيف باسيل لم يغادر مخيّلة جعجع
في اليوم الأخير لجلسة مناقشة الموازنة، أطل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في حلقة تلفزيونية تناول فيها ملفات أساسية، أبرزها سلاح حزب الله والانتخابات النيابية وأداء وزراء القوات في الحكومة، فيما كان الحاضر الأبرز في الحلقة، وعلى لسان جعجع ، رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.
استبدل جعجع الحجج بالشتائم مردّدًا احداها من زمن الثورة، ضد والدة باسيل واصفًا باسيل بأنّه رئيس "أقوى جامعة للنصب والغش والكذب في العالم". رئيس حزب القوات بدا مستعداَ مسبقاً للموقف فحصّن نفسه بإبراز بيان وزارة الخزانة الأميركية الذي أدان باسيل، معتبراً أن الأخير يقف في طليعة الفاسدين في العالم وليس في لبنان حصراً.
فما سبب هذا التصعيد الكلامي؟ يقول عضو تكتل الجمهورية القوية غسان حاصباني لـ"لمدن" إن كلام جعجع كان لا بد منه بعد التصعيد الأخير لباسيل إن كان ضد القوات أو لتبرير ممارساته على مدى 15 عاماً. لكنه في السياق عينه يشبه تصريحات باسيل خطابات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الذي يتعاطى على قاعدة "اتذكروني أنا هنا" بعدما خسر الكثير من شعبيته ومصداقيته، بحسب حاصباني.
اتهامات متبادلة بالافلاس السياسي
بين الخصمين ثمة ما هو مشترك وهو الإتهام المتبادل بالإفلاس السياسي. في ظهوره الأخير اعتبر جعجع أن التيار الوطني الحر على شفير النهاية تماماً كـ"محور الممانعة"، أما مصادر التيار الوطني الحر فتقرأ في كلام جعجع ككلّ عبر"المدن" دليلاً على "انهيار خطوطه الدفاعية النيابية والوزارية".
تربط المصادر عينها قرار جعجع بالظهور في اليوم الثالث لمناقشة الموازنة بما تعتبره ضعف الدفاع النيابي القواتي عن وزراء الحزب خلال الجلسة التي تم التصويب عليهم فيها .
في هذه الحرب الكلامية بين الحزبين المسيحيين الأقوى وقبيل الانتخابات النيابية المفترضة، يعلو سقف التصعيد الكلامي. فالوطني الحر يصف حال جعجع بـ"فقر الدم السياسي العمومي" لأكثر من اعتبار يفنده المصدر على الشكل التالي:
- انجازات وزراء القوات تقارب الصفر
- أزمة على صعيد حقيبة الطاقة بسبب تراكم الضغط الشعبي من جهة، وصمت وزير الطاقة من جهة أخرى لأنه مقتنع ألا حلول خارج الحلول التي قدمها التيار الوطني الحر.
- وزير الخارجية مبعدٌ عن انجازات الحكومة المرتبطة بحقيبته والمقصود هنا التفاوض مع اسرائيل.
- شعور لدى جعجع بأنه "النسيب الفقير" في السلطة بحيث أن القرار هو بين أيدي رئيسي الجمهورية والحكومة.
وعليه تقول مصادر التيار الوطني الحر إن جعجع وبدل أن يكون محصناً بالمعطيات والحلول وخصوصاً في ملف الكهرباء، اعتمد الشتيمة والسخرية لإسكات الناس مستخدماً الأسلوب "الجبوري" بالإشارة إلى مسؤول جهاز التواصل والإعلام في القوات شارل جبور.
إذا أمام هذه القراءة يبدو أن الجبهة فتحت وستشهد معارك تصاعدية على مشارف الإستحقاق النيابي، مقابل جبهة اكثر قساوة مفتوحة مع حزب الله، استدعت من رئيس القوات المطالبة بملاحقة أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم قضائياً وحل الجناح العسكري والأمني لحزب الله.
القوات ومعركة السيادة
تنطلق القوات من قراري الحكومة اللبنانية في 5 و 7 آب حول حصرية السلاح للتأكيد على عدم شرعية سلاح حزب الله ومن هنا تؤكد أنه لم يعد باستطاعة حزب الله وأمينه العام الكلام عن امتلاك السلاح أو التهديد به. موقف القوات هذا يأتي رداً على التصريحات الأخيرة للشيخ قاسم حول دعم ايران والتمسك بالسلاح شمال نهر الليطاني، وهو تفسير لموقف رئيس حزب القوات الأخير حول ما هو مطلوب من الحكومة بشأن ملاحقة الأمين العام لحزب الله أو حل جناح حزب الله العسكري.
تعتبر القوات أن على الحكومة "أن تلتئم لإيجاد قرارات سريعة استكمالاً لجلستي 5 و 7 آب فحواها "حل الجناح العسكري والأمني لحزب الله ومنع استخدام الأراضي اللبنانية منطلقاً لأي أعمال عسكرية أو تخريبية في الداخل أو الخارج وملاحقة كل الأشخاص المخلّين بالأمن".. أما عن الترجمة العملية لهذا المسار فيقول النائب حاصباني "إن أقل ما يجب أن تقوم به الدولة هو اتخاذ موقف تذكّر فيه اللبنانيين بما هو بديهي أي بالتزاماتهم تجاه دولتهم وبأنها هي صاحبة قرار الحرب والسلم، على أن يترجم ذلك لاحقاً بأفعال بديهية تقضي بحلّ كل الميليشيات تطبيقا لوثيقة الوفاق الوطني، وحازمة لناحية توقيف كل من يخل بالأمن والاستقرار، إذ لا يجوز وجود منظومات أمنية خارج مؤسسات الدولة الرسمية".
وفيما خص ملاحقة الشيخ نعيم قاسم تطالب القوات بتوقيف كل من يبحث بالمقاومة لأنه يضرب كل النصوص الدستورية ويخالف قرارات الحكومة ويشكل اعتداء على الأمن القومي اللبناني.
لا تبدو هذه المواجهة مجرد سجال عابر بين خصمين تاريخيين، بل مؤشراً إلى مرحلة سياسية أكثر حدّة مع اقتراب الاستحقاق النيابي. فالصراع بين "القوات" و"التيار الوطني الحر" يتجاوز تبادل الاتهامات إلى صراع على الخيارات الاستراتيجية والتمثيل المسيحي ودور الدولة نفسها. وفي الوقت الذي يرتفع فيه منسوب الخطاب ويتّسع الاشتباك ليشمل ملفات السيادة والسلاح وأداء السلطة، يبقى السؤال الأساس معلّقاً: هل تنجح هذه القوى في ترجمة صراعاتها إلى مشاريع سياسية قابلة للحياة، أم تبقى المواجهة محصورة في بازار انتخابي يفاقم الانقسام ويترك الدولة أسيرة العجز؟
لارا الهاشم - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|