توضيح من بطريركية الروم الأرثوذكس عن معتمدية السويد والبلاد الإسكندنافية
تصنيف الحرس الإيراني "إرهابيا".. من تجريم قمع الداخل إلى تطويق النفوذ الإقليمي
خطى الاتحاد الأوروبي خطوة وصفت بـ"التاريخية والمفصلية" عندما توصل إلى إجماع بإدراج الحرس الثوري الإيراني في قائمة "المنظمات الإرهابية" في مؤشر على تحول جذري في مقاربة الملف الإيراني منذ ما سمي بـ"الثورة الإسلامية" عام 1979.
وفضلا عن تداعياته السياسية والقانونية، فإن التصنيف يحمل دلالات عميقة على مستوى العلاقة بين أوروبا وإيران، وعلى مستقبل البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وعلى توازنات وخرائط النفوذ في الإقليم.
ويرى خبراء أن التصنيف الأوروبي، الذي وضع الحرس الثوري في الفئة القانونية نفسها لتنظيمي "داعش" و"القاعدة"، لا يمكن اختزاله بوصفه إجراء عقابيا فحسب، بل تعبر عن جرأة وحزم التكتل الذي يظهر لإيران بأن "التسامح والمرونة" لهما حدود.
ويوضح الخبراء بان هذا التصنيف لم يأت فجأة، بل بشكل تدريجي ونتيجة تراكمات بلغت ذروتها مع القمع الدموي للاحتجاجات الأخيرة، التي ذهب ضحيتها المئات؛ ما دفع أوروبا إلى التغلب على الانقسامات، والانتقال من الحذر البراغماتي إلى المواجهة الصاخبة.
ويبين الخبراء بأن أخطر ما في هذا التصنيف هو أنه يشكل سابقة في المشهد السياسي الأوروبي، فمن النادر أن يتم تصنيف مؤسسة رسمية تابعة لدولة ذات سيادة كـ"منظمة إرهابية"، لافتين إلى أن مثل هذا الإجراء يقوض الذرائع الإيرانية وحججها القائمة على "الحصانة السيادية"، التي تحول دون تصنيف كيان رسمي كالحرس الثوري "إرهابيا".
الدلالات القانوينة والسياسية
من شأن هذا التصنيف أن يفتح الباب أمام سلسلة من الإجراءات، فعلى المستوى القانوني، يعني تجميد الأصول المرتبطة بالحرس الثوري داخل الاتحاد الأوروبي، وتجريم أي تعامل مالي أو تقني أو لوجستي معه أو مع واجهاته، واذرعه.
كما يشمل الجانب القانوني، تمكين الأجهزة القضائية من ملاحقة شبكات الحرس الثوري داخل أوروبا.
ورغم أن السبب المباشر للقرار هو العنف المفرط للنظام الإيراني في قمع الاحتجاجات، لكن لا يمكن فصله، في السياق الأوروبي، عن سجل طويل من الأنشطة السرّية والاغتيالات السياسية التي نسبت إلى أجهزة إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ويُعد اغتيال عبد الرحمن قاسملو، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، في فيينا عام 1989، إحدى أولى القضايا الصادمة، إذ قُتل خلال اجتماع مع وفد إيراني، في عملية اغتيال نُفّذت تحت غطاء دبلوماسي، قبل أن يتمكن المشتبه بهم من مغادرة النمسا دون محاسبة، ما أثار انتقادات حادة للسلطات الأوروبية، آنذاك.
وبعد ذلك بثلاثة أعوام، جاءت قضية مطعم ميكونوس في برلين عام 1992 لتشكّل نقطة تحوّل حاسمة، ففي تلك العملية، اغتيل أربعة معارضين أكراد إيرانيين داخل مطعم في العاصمة الألمانية، بينهم صادق شرفكندي، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني.
وبعد تحقيقات مطوّلة، أصدرت المحكمة العليا في برلين عام 1997 حكما تاريخيا حمّلت فيه مسؤولية الاغتيال لقيادات عليا في النظام الإيراني، مرتبطة بالحرس الثوري، وشكل الحكم سابقة، إذ وجّه اتهاما مباشرا لدولة ذات سيادة بتنفيذ عمل إرهابي.
ومنذ ذلك الحين، واصلت أجهزة الأمن الأوروبية رصد أنشطة وشبكات مرتبطة بالحرس الثوري وفيلق القدس، شملت محاولات اغتيال، ومراقبة معارضين، وعمليات تهديد وتجسس في دول عدة.
ويشدد خبراء على أن هذا السجل الذي يمتد لعقود، أسهم بقوة في ترسيخ القناعة داخل المؤسسات الأوروبية بأن الحرس الثوري لا يمثل مجرد قوة قمع في الداخل، بل كيان أمني عابر للحدود يشكل تهديدا مباشرا للأمن الأوروبي.
أما من ناحية البعد السياسي، فإن القرار يستهدف بنية وجوهر النظام الإيراني، فالحرس الثوري، الذي تأسس عام 1979 سرعان ما أصبح "النواة الصلبة" لسطوة النظام الإيراني.
وبهذا المعنى، فإن القرار يعني، في أحد أبعاده، إضعاف شرعية السلطة، وتوجيه رسالة بأن اوروبا انتقلت من انتقاد سلوك النظام إلى مقارعة النظام نفسه.
وتشير التقديرات الغربية إلى أن عدد عناصر الحرس الثوري يتراوح بين 120 و150 ألف عنصر، إضافة إلى مئات الآلاف من قوات التعبئة "الباسيج".
كما تسيطر مؤسسات الحرس الاقتصادية، وفق التقديرات، على ما بين 20 و30% من الاقتصاد الإيراني عبر شركات تعمل في مجالات متعددة كالطاقة، والاتصالات، والبناء، والموانئ.
أما عسكريا، فإن القرار يعزز سياسة "الخنق التدريجي"؛ إذ يأتي في ظل اتهامات متكررة لإيران باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية كأداة نفوذ إقليمي، سواء عبر وكلائها أو عبر صادرات عسكرية غير مباشرة؛ ما يعني أن ثمة تداعيات للقرار على خرائط النفوذ في الإقليم.
وتوضح التحليلات السياسية، أن التصنيف سيؤثر مباشرة على" فيلق القدس"، بوصفه الذراع الخارجية للحرس وهو بمثابة غرفة العمليات الإقليمية لإيران.
ويتوقع الخبراء أن ينعكس التصنيف على شبكة حلفاء الحرس، وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني والحوثيون في اليمن والميليشيات العراقية، فالقرار يضيّق قنوات التمويل والاتصال التي كان الفيلق يديرها عبر مسارات أوروبية غير مباشرة، ويجعل أي تواصل أو دعم لوجستي مرتبط بهذه القوى موضع تجريم وملاحقة.
ومن المرجح، بحسب مراقبين، أن تلجأ طهران إلى تقليل الظهور العلني للفيلق، وزيادة الاعتماد على الوكلاء المحليين والعمل السري، لكن تضييق هوامش الحركة في التمويل والتسليح بموجب القرار سيحد من هذا الطموح الإيراني.
الإجماع النادر
شكل تصنيف الحرس الثوري موضوعا خلافيا داخل الاتحاد الأوروبي، على مدى عقود، فقد دفعت دول مثل هولندا، والسويد، ودول البلطيق باتجاه إدراجه على قائمة الإرهاب، فيما تبنّت دول مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا موقفا متحفظا.
وكان الرافضون للقرار يبررون موقفهم بأن مثل هذا التصنيف سيؤدي إلى قطع قنوات التواصل الدبلوماسي مع طهران، ويعرض حياة الرعايا الأوروبيين في إيران للخطر، وينسف أي فرصة مستقبلية لإحياء الاتفاق النووي.
غير أن القمع الواسع للاحتجاجات الأخيرة غيرت المعادلة، وبات الاستمرار في سياسة التحفظ والرفض مكلفا سياسيا وأخلاقيا بالنسبة للدول الرافضة.
ورغم الوقع الثقيل للقرار في إيران، حرصت بروكسل على إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة؛ إذ قالت مسؤولة السياسية الخارجية في التكتل "التقدير هو أن القنوات الدبلوماسية ستظل مفتوحة، حتى بعد إدراج الحرس الثوري"، فيما قال وزير الخارجية الإيطالي إن القرار لا يعني أن علينا التوقف عن الحوار".
وفي أول رد فعل إيراني على القرار الأوروبي، قال كبير المسؤولين الأمنيين في إيران علي لاريجاني إن بلاده تعتزم تصنيف القوات المسلحة لدول الاتحاد الأوروبي التي أدرجت الحرس الثوري على القائمة السوداء باعتبارها "إرهابية".
وأضاف في منشور على منصة إكس "وبالتالي، فإن تبعات ذلك ستقع على الدول الأوروبية التي اتخذت مثل هذا الإجراء".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|