مسؤول أوروبي: الوضع في سوريا لم يتحسّن بما يكفي لعودة السوريين إليها
تفكيك شيفرة خطاب قاسم: من الإسناد إلى الدفاع!
في زيارته الأولى لبيروت قبل أشهر، حمل مدير المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد إلى قيادة حزب الله مجموعة أفكار تتصل بمستقبل سلاح الحزب. غير أن جوهر الزيارة تبلور في سؤال مباشر عن موقف الحزب وتموضعه العسكري في حال اندلاع حرب على إيران. جاء الرد من الحزب على هيئة سؤال معاكس: ما هو موقفكم أنتم إذا شنّت إسرائيل حرباً متزامنة على إيران ولبنان؟
لاحقاً، ومع زيارة رئيس الوزراء المصري لبيروت، أعيد طرح السؤال بصيغة مختلفة، تحت عنوان: هل سيلتزم الحزب النهج نفسه الذي اعتمده خلال حرب الأيام الاثني عشر على إيران في حزيران الماضي، حين اختار تحييد نفسه؟ إلا أن السؤال بقي بلا إجابة واضحة، تماماً كما غاب الرد المصري عن فرضية الحرب المتزامنة على الجبهتين الإيرانية واللبنانية.
تحذيرات للحزب
قبل هاتين الزيارتين وخلالهما وبعدهما، توالى وصول موفدين عرب وأجانب إلى بيروت، حملوا الاستفسار نفسه إلى مرجعيات سياسية وأمنية، وبعضهم كلّف بنقل السؤال مباشرة إلى قيادة الحزب. تكررت المحاولات مرة واثنتين وثلاثاً، سعياً إلى استكشاف موقف حزب الله في حال تعرّضت إيران لهجوم. وكما في السابق، حافظ الحزب على تكتمه، مكتفياً بخطاب دبلوماسي عام يرفض مبدأ الاعتداء الإسرائيلي على أي دولة، من دون الإفصاح عن موقف عملي أو التزام عسكري محدد.
في المقابل، مال التقدير الأميركي -وربما الإسرائيلي- إلى اعتبار أن الحزب يتعمّد إبقاء موقفه ضبابياً، انطلاقاً من قراءة مغايرة لتلك التي حكمت سلوكه خلال حرب الأيام الاثني عشر.
وبحسب تحليل مواقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، يتعزز الانطباع بأن خيار الحياد لم يعد مطروحاً في حال استُهدفت طهران مجدداً. انطلاقاً من هذه القراءة، يُفهم قرار القيادة الوسطى الأميركية إفساح المجال أمام إسرائيل لتوسيع نطاق ضرباتها في جنوب لبنان، ولا سيما شمال نهر الليطاني وصولاً إلى البقاع، في إطار سياسة ردع تهدف إلى تحييد الحزب أو ثنيه عن أي انخراط عسكري إلى جانب إيران. ووفق الإعلام العبري، ركزت الغارات الأخيرة على ما تعتبره تل أبيب أنفاقاً أو فتحات مخصصة لإطلاق الصواريخ.
في هذا السياق، يمكن قراءة الموقف الأخير للشيخ نعيم قاسم بوصفه رداً مباشراً على سيل الأسئلة المتعلقة بموقف الحزب من استهداف إيران وتموضعه حيالها. اختيار التوقيت للإدلاء بموقف علني أمام الرأي العام يوحي بأن الحزب يمتلك معطيات جدية حول نيات إسرائيلية باستهدافه، وهو أمر بات يتردد في المجالس السياسية وعلى ألسنة قيادييه. ولم يعد احتمال مهاجمة الحزب بالتزامن مع أي هجوم على إيران، أو في أعقابه، مجرد تفصيل ثانوي. وتفيد معلومات متداولة بأن دولاً ليست مصنّفة بالضرورة في خانة حلفاء الحزب أو خصومه، أبلغت مسؤولين فيه اعتقادها بأن إسرائيل تحضّر لحرب قاسية على لبنان هدفها توجيه ضربة شديدة لحزب الله.
من جهة أخرى، يقرأ الحزب تراجع حدّة التهديدات الإسرائيلية العلنية بشن حرب على لبنان، مقارنة بما كان سائداً قبل أسابيع، على أنه محاولة لتضليل مقصود، وإبعاد الأنظار عن نيات الحرب تمهيداً لتأمين «عنصر المفاجأة» العسكري، وهو عنصر حاضر بقوة في حسابات الحزب. في هذا الإطار، يُفهم إعلان قاسم موقفه أمام الجمهور على أنه التزام سياسي وعسكري بما يعلنه الحزب، ورسالة جدّية حيال ما يحذّر منه.
الحزب في مواجهة خيارات عزله
في الفترة الأخيرة، بات المتواصلون مع الحزب يتلمّسون مدى حساسيته إزاء ما يعتبره محاولات لتطويقه وعزله، وما يُحاك بشأن مستقبله. من هنا، يصنّف الحزب أي استهداف أو ردّ فعل محتمل ضمن إطار "الحرب الوجودية" التي تبرر، في نظره، الدفاع المشروع. وقد أعطى لها تصوراً هو "القتال الكربلائي". وبناءً عليه، أحجم الحزب عن أي تحضيرات هجومية، مكتفياً بوضعية دفاعية تفرضها المخاطر الراهنة، وهو ما سعى الشيخ قاسم إلى تأكيده في موقفه الأخير، مع التلويح الواضح بأن الحزب لن يقف مكتوف اليدين إذا استُهدفت إيران.
في الوقت نفسه، يدرك الحزب أن توجيه ضربة لإيران أو إضعافها سينعكس مباشرة عليه، ويغذي محاولات استضعافه في الداخل اللبناني. هذه الهواجس باتت حاضرة بقوة في خطاب قياداته، وعبّر عنها صراحة عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي فياض من على منبر مجلس النواب أمس، وهي من المرات النادرة التي يلجأ فيها فياض إلى هذا الاسلوب. غير أن ذلك، وفق قاموس الحزب، لا يعني اعتبار إيران دولة عاجزة عن الدفاع عن نفسها أو بحاجة إلى إسناد حلفائها، بل إن الصراع، في نظرهم، بات يطال مجمل أركان "المحور". ووفق هذا التصنيف، تُشن الحرب عليهم فرادى ومجتمعين، ما يستدعي اعتماد سياسة ردع، مع التزام الصمت حيال طبيعة الخطط، سواء كانت استباقية أم متزامنة مع أي هجوم أميركي ـ إسرائيلي محتمل على إيران.
لا معركة إسناد
نظرياً، لا ينطلق الشيخ نعيم قاسم من منطق "معركة إسناد" دفاعاً عن إيران على غرار ما اعتمد بعد السابع من أكتوبر. فالمعروف عن الشخصية الإيرانية تعاظم الحسّ القومي لديها، إلى حدّ تفضيلها تولي الدفاع عن نفسها بنفسها.
داخلياً، استدعى موقف قاسم اهتماماً واسعاً لدى مرجعيات رسمية وغير رسمية، سعت، عبر القنوات الأمنية، إلى الاستيضاح حول مدى جدية ما أعلنه، وما إذا كان الحزب يستعد فعلاً لحرب جديدة، أم أن موقفه يندرج في إطار الدعم السياسي والمعنوي لا أكثر. ويعكس هذا القلق خشية حقيقية على الوضع اللبناني الهش، والخوف من جرّ البلاد إلى مواجهة جديدة، في وقت يدرك فيه الجميع أن لبنان لا يزال عالقاً في عنق زجاجة الحرب، مع غياب أي دينامية سياسية داخلية فاعلة، باتت رهينة تطورات المشهد الإيراني سلباً أو إيجاباً، فيما تُستنزف الساحة الداخلية بملفات ثانوية لا تبدّل في مسار الأزمة العامة.
عبدالله قمح- المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|