مسؤول أوروبي: الوضع في سوريا لم يتحسّن بما يكفي لعودة السوريين إليها
الثنائي بعد السيد: تباين.. هل يصل حد الاختلاف؟
نجح رئيس مجلس النواب نبيه بري في خفض حدّة التوتر في الخطاب الذي صدر عن نواب حزب الله تجاه حزبي القوات اللبنانية والكتائب. فقد سمح لرئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل، خلال جلسة مناقشة مشروع الموازنة، بالإسهاب في دعوته حزب الله إلى الانضمام إلى الدولة، فيما لم تفارقه عبارة "لا حول ولا قوة إلا بالله" أثناء استماعه إلى مداخلة النائب علي فياض، الذي واصل هجومه على وزيري العدل والخارجية وحاكم مصرف لبنان. وكما لو بالصدفة فإن الثلاثة موارنة وكان يمكن تفادي تسميتهم، والتركيز بدلًا من ذلك على خطاب يبني على ما قدّمته الطائفة الشيعية للبنان في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وتصدّى بري بنفسه لمطلب أحد النواب بسحب سلاح الميليشيات، ناصحًا بعدم نسيان "سلاح إسرائيل". كذلك، نصح نائبًا من حزب الله بالبناء على الشق الإيجابي في خطاب الجميّل، وسعى إلى إسكات ردّ النائب أشرف ريفي على كلام فياض حول الحرب الأهلية، تفاديًا لتوسيع دائرة السجال. ويمكن اعتبار إدارة بري للجلسة محاولة لاحتواء التوتر وتهدئة الأجواء، خشية الانزلاق إلى مواجهة داخلية، وقد كان تصديه لخطاب الحزب السياسي واضحاً. على أن سياسة التقليل من سلبية الحزب صارت منهجاً متبعاً من قبل الأخ الأكبر، ولو من باب المونة.
مرحلة ما بعد استشهاد السيد
بعد استشهاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، تعرّضت الطائفة الشيعية لصدمة كبيرة. فنصرالله كان على تناغم مع بري في كثير من المحطات، ويحظى بثقة شرائح واسعة من اللبنانيين، وبهامش يتيح له التعاطي وفق مقتضيات موازين القوى الداخلية، مع مراعاة الاعتبارات التشريعية والسياسية الخاصة برئيس مجلس النواب.
وبعد الاستشهاد ، برزت أصوات وكأنها تطالب بري بأن يتولّى موقع القيادة الجهادية لدى الطائفة الشيعية، في حين أنه يشغل موقع رئيس مجلس النواب وهو أساسًا رئيس حركة أمل التي أرسى الإمام موسى الصدر دعائمها، على خطاب وطني جامع، يعطي الأولوية للبنان من دون التخلي عن مركزية القضية الفلسطينية في أدبياته.
لا يمكن لبري، كما لغالبية اللبنانيين، الموافقة على خطاب يهدد بحرب جديدة في حال اندلاع مواجهة بين أميركا وإيران أو تعرّض السيد علي خامنئي للخطر. فمثل هذا الخطاب لا يثير مخاوف الطوائف الأخرى فحسب، بل يثير القلق أيضًا داخل الطائفة الشيعية، التي لا تزال تلملم جروح حرب الإسناد، في ظل استهداف أبنائها، ودمار أكثر من ثلاثين قرية حدودية، وصعوبة عودة سكانها إليها.
خطاب حزب الله موضع مساءلة؟
قبل حرب الإسناد، لم يكن حزب الله يُسأل عن خطابه السياسي، أمّا اليوم، وبعد تراجع دور السلاح، بات هذا الخطاب موضع تدقيق ومساءلة، إذ إن البيئة اللبنانية عمومًا، والشيعية بغالبيتها، لا تقبل بأن تكون جزءًا من مشروع إقليمي دولي.
ولا يختلف اثنان على وجود أزمة في الخطاب السياسي الشيعي، وضعف أصاب الطائفة، لا يتحمّل بري مسؤوليته، بل يعود إلى سقوط القوة الرادعة للسلاح بسبب انخراط حزب الله في حرب الإسناد. ويحاول بري اليوم لملمة نتائج خيارات المرحلة الماضية، والعودة بالطائفة إلى خطاب الإمام موسى الصدر.
ولم يعد من المبالغة الحديث عن تباين بين طرفي الثنائي الشيعي، أي حركة أمل وحزب الله، اللذين يمثلان وحدهما الطائفة في الحكومة ومجلس النواب. العلاقة بينهما تجاوزت التحالف الانتخابي، وباتت أعمق من مجرّد تفاهم في زمن السيد نصرالله، إلا أن استشهاده وتداعيات حرب الإسناد فرضا واقعًا جديدًا انعكس على العلاقة بين الطرفين.
نحن في الوقت نفسه أمام حزب يحتل سلاحه الأولوية، وحركة بنت قوتها على تعزيز وجود الطائفة داخل مؤسسات الدولة، ولا تريد خسارتها. ورغم تأكيد الطرفين على متانة العلاقة بينهما، فإن الواقع يشير إلى وجود تباينات قد تتحوّل إلى خلافات، إن لم يجرِ تطويقها.
هذا التباين ليس وليد اللحظة، فهو بدأ مع دخول الحزب حرب الإسناد، التي حاول بري احتواء انعكاساتها. لم يعلن دعمه الصريح لها، بل ركّز على حق الشعب الفلسطيني بدولة، مستندًا إلى فكر الإمام المغيّب .
مع استشهاد السيد وخسارة الحزب لعدد من قادته، ووقوع دمار كبير في الجنوب والضاحية، تدخّل بري لإعادة تصويب المسار، فكان اتفاق تشرين الثاني لوقف الحرب. وكما ساعد على ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وافق على اتفاق وقف النار، ولم يعارض التمثيل المدني في آلية المفاوضات.
العلاقة بين الطرفين تغيّرت بعد استشهاد السيد، وتأثّرت بخسائر حرب الإسناد البشرية والمادية والمعنوية، ضمن بيئة تجمعها عوامل اجتماعية وجغرافية ومصير مشترك، وتاريخ طويل من الحرمان والهجرة.
تبدل واقع الحزب ما انعكس على أدائه وعلاقاته، حتى مع حركة أمل في إطار الثنائي الشيعي. وبات بري يُلام أحيانًا على مرونته في التفاوض، سواء في اتفاق وقف النار أو في ملف الميكانيزم أو في التواصل مع الأميركيين. كما أن الظروف الأمنية جعلت التواصل بين الحزب والحركة أقل سلاسة، رغم الاجتماعات التنسيقية المستمرة. أمّا ما وصفه السيد نصرالله سابقًا بـ"علاقة التكامل الوجودي" فلا تزال قائمة في الأزمات الكبرى، لكنها تشهد تباينات واضحة في التفاصيل، تتحمّل القواعد الشعبية جزءًا من مسؤولية تغذيتها .
يقول أهل البيت، "ليس ما يجري خلافًا بقدر ما هو اختلاف في مقاربة الملفات. الرهان على تحويله إلى افتراق واسع يبقى ضرباً من المستحيل". ويؤكّد مطّلعون أن التنسيق بين القيادتين لا يزال قائمًا، ويتم تبادل المعطيات باستمرار. وقد عُقدت مؤخرًا اجتماعات ضمّت "الخليلين" وعددًا من نواب الطرفين لبحث ملفات مشتركة، منها قانون الانتخاب وإعادة الإعمار.
ويؤكد هؤلاء وهم في موقع عال المسؤولية أن هذا الملف يُدار ضمن إطار المصلحة العليا للطائفة الشيعية، والخصوصية التي يتمتّع بها هذا التحالف مقارنة بسائر الطوائف. فكلا الطرفين يمتلك قراءة مشتركة للأطماع تجاه لبنان، ويتقاسمان المعاناة نفسها في الجنوب، كما أن هناك تداخلًا تنظيميًا وتاريخيًا بين الحزبين، وتأثّرًا عميقًا بتجربة الإمام موسى الصدر، الذي يشكّل مرجعًا أساسيًا للطرفين. وترتبط البيئة الشيعية دينيًا بمرجعيتَي النجف وقم، ويتداخل التقليد بينهما، فيما تلعب إيران دورًا سياسيًا ودينيًا مؤثّرًا في الإقليم. كما أن هناك تداخلاً بين الطرفين، قسم من قيادة الحزب كانت في حركة أمل وحتى في الكوادر. والطرفان ولا سيما مع تجربة الأمين العام السيد حسن نصرالله بموقع القيادة لما يزيد على ثلاثين عاماً تأثرا بحضوره ومواقفه، والتي تتطابق مع مواقف السيد موسى الصدر. ويعترف الطرفان بأن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وهو ما أكد عليه حزب الله، كما كرسه الإمام الصدر في تشخصيه لدور المقاومة وهي قناعة راسخة لدى الطرفين.
التفاوض والانفتاح الخارجي
ويعي حزب الله أن بعض مواقف بري تنطلق من موقعه كرئيس لمجلس النواب، ما يفرض عليه وضعًا خاصًا في التفاوض والانفتاح الخارجي، وهو ما يجب أن يكون موضع تفهّم داخل الحزب، فيما لا يُخفي خصوم الداخل رغبتهم في إضعاف الثنائي، عبر الحديث عن محاولات لاختراق الكتلة الشيعية بنائب أو اثنين ليكون أحدهما رئيساً بديلاً لبري في رئاسة مجلس النواب. يؤكد حزب الله على أن بري يتصرف وفق ما يقتضيه دوره كمفاوض وليس كرئيس لحركة أمل، وإذا تعاطى أحياناً بالمونة أو كانت له هوامش في موقعه التفاوضي فمن موقعه كقناة اتصال مع كل الخارج وهذا يفترض أن يكون موضع تفهم، بدليل أنه ومنذ وقف النار ولغاية اليوم ومن خلال ما أظهرته الاستحقاقات منذ ورقة توم باراك وحصرية السلاح، كان بري من بين أحد الرؤساء الثلاثة الذين وافقوا على الورقة، ولكن موقفه مع الحزب كان واحداً ومعارضاً في مجلس الوزراء.
وعند الاستحقاقات الكبرى، يبقى الثنائي متماسكًا، ولا يقدّم بري التزامات غير متّفق عليها، أما رهانه على إقناع الحزب بما لا يقتنع به فهو دليل ثقة ومونة.
يدرك الثنائي أن مواجهة ما تقوم به إسرائيل، وكذلك ملف إعادة الإعمار، مسؤولية مشتركة تستدعي تنسيقًا دائمًا عبر لجان مشتركة لإدارة هذا الملف. وتؤكد مصادره أن مساحة التلاقي لا تزال قائمة، وأن التباينات تبقى ضمن إطار "البيت الواحد". وقد لخّص بري هذا الواقع بسؤاله رئيس الجمهورية، يوم زاره، تعليقًا على مواقفه تجاه حزب الله: لماذا استفزاز البيئة؟
أنهى بري زيارته وأرسل فحواها إلى الأمين العام الشيخ نعيم قاسم في إطار التنسيق. وفي الحوار مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، يلمس المقرّبون مرونة لدى بري أكبر من تلك التي يبديها الحزب، مع حرصه على العلاقة مع رئيس الجمهورية. وكذلك الأمر في التعاطي مع الحكومة، إذ يحرص بري على رئيسها نواف سلام وعلى استمرار العمل ضمن فريقها، فيما يرى البعض أنه لو آلت الأمور إلى حزب الله لكان انسحب منذ أن طرحت ورقة توم باراك للنقاش في مجلس الوزراء.
وفي ملف السلاح، قد تجد لدى الطرفين من يبدي استعدادًا للحوار تحت سقف الاستراتيجية الدفاعية أو أي مسمّى آخر، ولكن من دون استفزاز أو تصعيد، ذلك أن القلق واحداً يسيطر على طرفي الثنائي وبيئته. رهانات الحزب كثيرة، وقلق الأخ الأكبر كبير.
غادة حلاوي- المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|