الصحافة

لماذا قالت دول الخليج "لا" للضربة على إيران؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

إنطلاقاً من خبرتها في حروب الشرق الأوسط في الثلاثة عقود الماضية، يمكن فهم تحفّظ دول مجلس التعاون الخليجي على توجيه ضربة عسكرية أميركية إلى إيران، كموقف نابع من حسابات المصلحة المباشرة، لا من تعاطف سياسي مع طهران ولا من رغبة في الابتعاد عن التحالف التاريخي مع واشنطن. هذا الموقف الذي يدعو إلى تجنّب الحرب، ناتج عن تقدير لمجرياتها على أمن المنطقة واقتصادها، مقابل ما قد تحققه من مكاسب. في منطقة عاشت الحروب وتحمّلت دول الخليج مرّات عديدة القسم الأكبر من كلفتها، أصبحت هذه الدول أكثر اقتناعاً بأن الضربة قد تفتح الباب أمام أزمات تمتد من الجانب الأمني إلى الاقتصادي والاجتماعي، وقد تترك آثاراً ديموغرافية يصعب احتواؤها لاحقاً. لذلك اختارت عواصم الخليج أن تنقل إلى واشنطن رسالة مفادها أن أي تصعيد عسكري سوف يؤدّي إلى تصعيد إقليمي، وإن أي تغييرا قسريا في ميزان القوى قد يفتح المجال أمام اضطراب يصعب على المجتمع الخليجي والدولي ضبطه والتعامل مع تبعاته.

أولاً - الإستقرار مقابل الخبرات السابقة للتصعيد: اعتمدت دول الخليج في تقييم الضربة على إيران عبر سؤال أساسي هو ما الذي سيحدث بعد الضربة؟ فخبرات السنوات الماضية في العراق وسوريا واليمن وليبيا تشير إلى أن تغيير موازين القوى بالعنف لا يؤدي بالضرورة إلى قيام نظام مستقر، بل قد يفتح المجال لفترات طويلة من الاضطراب الأمني والذي يمكن أن يحفّز الأعمال الإرهابية وينشّط شبكات التهريب، وقد تتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على فرض القانون وإدارة الشأن العام.
ثانياً - أمن الطاقة لا يقبل المغامرة: فالنفط والغاز في دول الخليج ليسا فقط مصدرين للدخل، بل يقوم عليهما الاستقرار المالي وتمويل الخدمات العامة، كما يرتبط بهما التماسك الاقتصادي الاجتماعي وسوق العمل. لذلك، إن أي تصعيدا عسكريا مع إيران قد ينعكس فوراً على أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز والذي سوف يؤدّي لزيادة كلفة التأمين على السفن وإرباك حركة النقل، وارتفاع كلفة التبادل التجاري في المنطقة. تدرك دول الخليج أن اضطراب سوق الطاقة لا يُقاس بسعر البرميل فقط، بل ينعكس أيضاً على ثقة الأسواق واستقرارها، وعلى مدى قدرة الدول على الاستمرار في تنفيذ برامجها الوطنية في ظل الفوضى المتوقّعة.

ثالثاً - رفض استخدام الأراضي والأجواء: من أبرز ما يكشف طبيعة موقف دول الخليج في هذه المرحلة هو التحفّظ على السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمل عسكري موجّه ضد إيران. ويمكن فهم هذا التحفّظ كإشارة تهدف إلى ضبط مستوى الانخراط في التصعيد، وتقليل احتمالات انتقال المواجهة إلى أراضيها. يفهم من هذا الموقف أنه ليس إعلان قطيعة مع واشنطن، بل خطوة لضبط مستوى التصعيد، بهدف منع الإنزلاق إلى مواجهة مباشرة. كانت الرسالة إلى واشنطن أن دول الخليج لا ترغب في الانخراط المباشر في حرب قد تنعكس سلباً على أمنها واقتصادها، كما أنها لا ترى من المناسب تحمّل كلفة قرارات لم تكن طرفاً في اتخاذها.

رابعاً - الهجرة عبر الخليج: إن قرب السواحل الإيرانية إلى سواحل دول الخليج يزيد من احتمال حدوث هجرة بحرية عبر الخليج، خصوصاً إذا شهد الداخل الإيراني تراجعاً في الاستقرار والمستلزمات الحياتية. تنظر دول الخليج إلى هذا الاحتمال كعبء أمني واجتماعي واقتصادي قد يفوق قدرتها؛ التاريخ يبيّن أن اندلاع الحروب يقترن غالباً بموجات نزوح وهجرة واسعة تجمع بين طالبي الحماية، والمهاجرين لأسباب اقتصادية، وأحياناً شبكات التهريب وأحياناً الإرهابيين. هذا التداخل يعقّد الفرز الأمني بسبب قلّة الجهوزية والتنظيم للتعامل مع موجات لجوء جماعي والتي سوف تؤدي إلى اضطراب داخل الدول المعنية يصعب التحكم في تداعياتها. في هذا السياق، وبالرغم من أن أوروبا ليست طرفاً مباشراً في هذا الصراع، يظهر الخطاب الأوروبي اهتماماً بمنع انفلات الصراع، فأوروبا لا تزال تتعامل مع تبعات موجات اللجوء المرتبطة بحروب الشرق الأوسط منذ عام 2011، وهي تنظر إلى التصعيد مع إيران على أنه موجة هجرة جديدة.

خامساً - سوق العمل والتركيبة السكانية: ترتكز دول الخليج على تركيبة سكانية متوازنة، إذ يقوم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي فيها على توازن بين المواطنين والوافدين، وهو توازن يتأثر بتغيرات سوق العمل؛ إنّ أي اضطراب إقليمي واسع يمكن أن يؤدي إلى حركة غير منتظمة في خروج العمالة وعودتها، وما يرافق ذلك من ضغط على سوق العمل، وإرباك في إنجاز المعاملات بما لا يخدم الاستقرار. من هذا المنطلق، لا تقتصر آثار الحرب على تهديد الأمن فحسب، بل تمتد إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي في الداخل، والذي يُعدّ ركيزة أساسية في حياة الخليج.

سادساً - تفضيل الدبلوماسية: إن رفض توجيه الضربة لم يكن استسلاماً لإيران، بل اختياراً واعياً لإدارة الصراع بدلاً من دفعه نحو التصعيد والانفجار. تُظهر الخبرة التاريخية لدول مثل سلطنة عمان وقطر التي عملت بأدوار الوساطة في عدد من صراعات الشرق الأوسط، أن الاحتواء والتفاوض يظلان أقل كلفة من الانزلاق إلى حرب مفتوحة. وإن التعامل مع إيران سوف يكون أنجح إذا قام على مسار دبلوماسي واضح بدلاً من الاعتماد على خيار عسكري قد يتوسع سريعاً ويتجاوز حدود السيطرة.

سابعاً - الخوف من البديل: حتى لو أدّت الضربة إلى إضعاف النظام الإيراني، يبقى لدى دول الخليج سؤال أساسي: من سيملأ الفراغ إذا تراجعت قدرة الدولة؟ من سيستلم أسلحة إيران العالية القدرة؟ خبرات المنطقة في تغيير الأنظمة قسراً تشير إلى أن إنهيار الدول أدّى إلى صعود قوى متشددة أو غير معتدلة، أو فتح المجال أمام الأطراف الأكثر تشدداً لتوسيع نفوذها، مستفيدةً من الفوضى وتشتت مراكز القرار. والخوف أيضاً من أن التدخّل العسكري قد يحفّز العمليات العسكرية المضادّة والإرهابية ليس فقط في وجه الولايات المتحدة بل أيضا في وجه حلفائها في دول مجلس التعاون، التي تعيش الرخاء مقابل الإنهيار الاقتصادي الموجود في إيران. هذا السيناريو لا يحقق مصلحة أمن الخليج ولا يدعم استقراره على المدى القريب أو البعيد.

ثامناً - وضع الملف النووي إذا سقط النظام: النظر إلى أن الضربة العسكرية لن تُنهي برنامج التخصيب بل تغيّر طبيعته من برنامج خاضع للرقابة والتفاوض إلى مشروع سرّي قائم على منطق المواجهة الوجودية. فالمعرفة العلمية النووية لا تُقصف، والمنشآت يمكن إعادة بنائها، والحرب لن تدمّر إلّا الرقابة الدولية، وسوف تستبدل خطر قابل للسيطرة بخطر مفتوح لا حدود له. السؤال الأخطر هو: من سيتسلّم الملف النووي إذا سقط النظام؟ فالسلطة قد تنهار من جراء الحرب، لكن البرنامج النووي لن يسقط، وفي هذه الحالة، لا ضمانة بأن تنتقل السيطرة إلى سلطة مدنية معتدلة، بل قد تنتقل إلى قوى متشددة لا تخضع لأي رقابة دولية، وستفتح الباب أمام سباق تسلّح إقليمي يصعب احتوائه. إن برنامج نووي بلا دولة مستقرة تديره هو ما تخشاه دول الخليج، لأنه لا يلغي القنبلة أو يؤخرها، بل يحررها من قيود الرقابة الدولية.

في الخاتمة، يمكن القول إن دول الخليج قالت «لا» للحرب مرتكزة على خبرات سابقة في عدد من الدول العربية جعلتها ترى أن أضرار الصواريخ لن تتحمّلها إيران وحدها، بل سوف تقع على عاتق دول مجلس التعاون الخليجي، التي في حال حصلت الضربة العسكرية، يتوقع أن تدفع ثمن التصعيد على مستويات متعددة. لذلك، قالت «لا» لزعزعة أمن الطاقة في الخليج، و«لا» للإنخراط في التصعيد، و«لا» اللهجرة الواسعة عبر الخليج، وقالت «لا» للإضطراب في سوق العمل، و«لا» للحرب ونعم للدبلوماسية، وقالت «لا» لإيران أكثر تشدّد من ما هي عليه الآن، و«لا» لإيران غير مستقرة مع برنامج نووي متطور. في المحصلة، قالت «لا» للحرب إنطلاقاً من أن الحروب لا يمكن الحكم عليها من زاوية النتائج العسكرية فقط، بل ينبغي النظر أيضاً إلى ما تخلّفه من آثار اجتماعية واقتصادية وديموغرافية تمتد إلى ما بعد توقف القتال. وقالت «لا» لأنها تدرك أن الاستقرار في منطقة عانت الكثير من الحروب، لا يعني التراجع أو الضعف، بل هو قرار يرتكز على تقدير العواقب وتحمّل المسؤولية. مع تسارع التغيّرات مؤخراً، أصبحت الفكرة الأهم، التدخل قبل وقوع المشكلة، والعمل مسبقاً على تقليل احتمال حدوثها. إنطلاقاً من هذه المعطيات، قررت دول الخليج تبنّي دعم الإستقرار الإقليمي، وحل المشكلات عن طريق الدبلوماسية والتفاوض بدلاً من الانخراط في سياسات تقوم على المغامرة أو التصعيد. فبالرغم من أن «العنف يولّد العنف» (غاندي)، ومن أن «الحرب تمتلك قابلية التصعيد والخروج عن السيطرة» (كلاوزفيتز)، وأن «الحرب تُفكّك الترابط الاقتصادي» (مونتسكيو)، نرى الحشد العسكري الأميركي الحالي الأكبر في تاريخ المنطقة؛ هل سقطت الدبلوماسية أمام العنف والتدخّل العسكري؟ إنّ لناظره قريب.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا