فاجعة طرابلس مسؤوليّة مَن؟
ليست المرة الاولى التي يتهاوى فيها بناء متداع في طرابلس. وحسب مجريات الامور، انها لن تكون الاخيرة، طالما حتى اليوم لم تتخذ اية اجراءات تنفيذية ميدانية، للحد من تساقط الابنية المتداعية في المدينة، التي تعاني قدرا من الاهمال والتهميش المتراكم منذ سنين طويلة.
فالبلدية التي أجرت كشوفات على الأبنية المتصدعة، اكتفت في معظم الأحيان بتدوين الملاحظات، من دون أن تترجمها إلى إجراءات تنفيذية تحمي السكان فعلياً، سواء عبر فرض الإخلاء الالزامي، أو عبر تأمين بدائل سكنية.
وفي المقابل، بقي دور محافظ الشمال محدوداً في هذا الملف، رغم امتلاكه صلاحيات واسعة لحماية السلامة العامة، من بينها إعلان حالات طوارئ موضعية ، وفرض تدابير استثنائية في المناطق المهددة، وهي صلاحيات لم تُستخدم رغم تكرار الحوادث وتوفر تقارير هندسية تحذيرية.
أما القائمقام، فغاب عملياً عن إدارة هذا الملف، رغم أن القانون يضع على عاتقه مسؤولية مباشرة، في مراقبة السلامة العامة ضمن نطاقه الإداري.
وعلى المستوى المركزي، لم تتعامل وزارة الداخلية مع الأبنية المتداعية كملف وطني طارئ قبل وقوع الكارثة، فبقيت المعالجة مجتزأة، فيما كان يفترض وضع خطة شاملة ملزمة للبلديات والمحافظات، وتأمين التمويل اللازم ومحاسبة المقصرين.
وفي خلفية كل ذلك، رفعت اللجان الهندسية تقارير وتحذيرات، بقي مصيرها عالقاً بين الأدراج والإهمال، من دون أن تتحول إلى قرارات نافذة أو إجراءات ملزمة، حيث تركت مدينة كاملة تواجه الخطر وحدها.
انقاذ الام وولدها الفتى ذو الاربعة عشر ربيعا كانت بمثابة المعجزة:
- اولا: لان الفاجعة وقعت في ظل امكانيات محدودة، وبغياب المعدات الحديثة اللازمة لمثل هذه الحوادث المفجعة، حيث تعاني اجهزة الدفاع المدني في طرابلس والشمال من عجز حيال هذه العمليات، التي تحتاج الى معدات يفترض ان تكون جاهزة للتلبية السريعة، وليس انتظار نقلها لساعات من بيروت، تكون خلالها الحادثة تجاوزت مراحل حرجة من الاخطار.
- ثانيا: لان عمليات الانقاذ حصلت في ظل ظروف مناخية شديدة البرودة.
ضحيتان محصلة الفاجعة الاب والابنة، وهي عائلة رفضت اخلاء منزلها، رغم اخلاء كل القاطنين في المبنى منازلهم، بعد تبلغهم انذارات الاخلاء، حيث أصر الوالد على رفض الخروج من منزله لعدم توفر البديل...
الحدث المؤلم ليس مفجعا وحسب، انما هو مفجع على مستويات عديدة، حيث كشف عورات نظام سياسي يعود تأسيسه الى سنين طويلة، ودولة مشغولة بمهاترات وسجالات من جهة، ومن جهة ثانية مربكة بازمات امنية وعسكرية واقتصادية ومالية واجتماعية، حسب ما يردده عدد من الفاعليات والناشطين الطرابلسيين، الذين اعتبروا ان مدينتهم مهمشة منذ زمن بعيد، ولان السلطة السياسية لا تعير الآذان الصاغية لصرخات ونداءات ابناء طرابلس والشمال، وان حضور هذه السلطة لا يحصل الا عند وقوع الكوارث فقط لاحصاء الضحايا، اما أن تتخذ الاجراءات الآيلة الى حماية الناس، فأمر لا يتوفر في الذهنية السياسية المركزية.
مسلسل الابنية المتساقطة طويل، وقد نالت طرابلس حصة كبرى من مآسي تساقط الابنية، سواء في ضهر المغر قبل اسبوعين، او في حي الاميركان في جبل محسن، حيث سقطت ضحية طالبة في المدرسة، الى سقوط بناء تراثي في الزاهرية، وقبله سقوط بناء تراثي في التل كان يضم سينما "الانجا"، التي يعود تاريخها الى عشرينيات القرن الماضي، وسقوط سقف بناء في الميناء...
المجالس البلدية السابقة واللاحقة والحالية، كل بدورها اجرت كشوفات على الابنية المتصدعة والآيلة للسقوط، وآخر الدراسات والكشوفات التي حصلت، انتهت الى نتيجة مفادها عن وجود 105 ابنية يقتضي اخلاؤها سريعا، و700 بناء آيل للسقوط وبحاجة الى الترميم، وعند كل حادث انهيار بناء ترتفع الاصوات والمناشدات والنداءات، خاصة ان عمليات الترميم والتأهيل تفوق قدرات البلدية المالية بكثير، وان الحاجة الى تأمين اماكن ايواء بديلة تليق بالعائلات أمر يحتاج الى خطة حكومية، وهو ما تحدث عنه رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة، حين قال ان ملف الابنية المتداعية في طرابلس هو لدى الحكومة، ويتجاوز موازنة البلدية...
قبل سقوط البناء في القبة، سقط بناء في ضهر المغر، واعاد ملف الابنية المتداعية الى الواجهة، لكن لم يحظ الملف بجدية حكومية، ولا حتى جدية متابعة من نواب المدينة، الا بعد وقوع الكارثة يتسابق الجميع على اطلاق الشعارات والعواطف والتضامن.
مبنى شارع الجديد في القبة الذي انهار حسب سكان الشارع، انشيء منذ حوالي ثمانين عاما، وان الذي اكتشف تداعي اعمدة البناء وهريانه هو صاحب محل الالبسة، الذي اجرى تصليحات في محله، تبين خلالها هشاشة الاعمدة والحديد وتفتت فيها، وابلغ حينها مصلحة الهندسة في البلدية، حيث اوصى المهندسون ضرورة اخلاء المبنى سريعا، نتيجة سريان التفتت والهريان والتشققات في الاعمدة...
التحقيقات متواصلة لتحديد اسباب ما حصل من تفتت، وعما اذا كان هناك مخالفات في البناء، او نقص في مواد البناء؟ وقد سرت شائعات ان صاحب محل الالبسة قد ازال عدة اعمدة في محله خلال التصليحات والديكور الذي اجراه في محله، واوقف المذكور رهن التحقيق.
تساؤلات تطرح حول سر تساقط هذه الابنية المتداعية واحدة تلو الاخرى، وبالامس جرى اخلاء مبنى في التبانة... فتوضح مصاد هندسية، ان هناك اسبابا عدة منها خلل في تركيب البناء، خاصة الابنية التي تجاوز انشاؤها الثمانين عاما، ومنها تلك المخالفات وما اكثرها في الاحياء الشعبية، حيث تجري زيادة طبقات على الابنية دون اجازة مهندسين، وهذه المخالفات في اغلبها تحظى بغطاء سياسي ولاسباب انتخابية، فتحمل الابنية فوق طاقتها...
ويرى ناشطون وهيئات طرابلسية ان مسؤولية الفاجعة تقع على عاتق الحكومة، التي تلقت مرارا مذكرات بمخاطر سقوط ابنية في طرابلس، ولم تتخذ اية تدابير سواء الترميم او اخلاء المنازل، وتأمين بدائل ايواء لائقة.. كما ان المسؤولية مشتركة مع البلدية، في وقت ان معظم الاهالي القاطنين في هذه الابنية، هم من ذوي الدخل المحدود او من الفقراء، والذين لا يملكون بديلا للانتقال اليه...
يذكر ان وزير الداخلية احمد الحجار كان قد اعلن خلال اجتماع في مقر محافظة الشمال" أن كل الإجراءات المطلوبة ستتخذ، وأن الأموال اللازمة ستكون مؤمنة لمعالجة هذا الملف، بما يضمن حماية المواطنين وتأمين سلامتهم".
الديار - دموع الاسمر
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|