العميد خريش: الضجيج المحيط بالمبنى يعيق تحديد أماكن العالقين وعددهم بدقة
كواليس اجتماعات أربيل.. "قسد" تفتح باب الاندماج المشروط
في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز طابعها الإجرائي، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بتمديد الهدنة بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عقب اجتماع عُقد في أربيل، وجمع مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توم باراك مع قائد "قسد" مظلوم عبدي.
وجرى خلال الاجتماع تأكيد الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، مع التوافق على تمديد الهدنة كمرحلة انتقالية تمهيداً لإيقاف الاشتباكات بشكل نهائي، في حال التزم الطرفان ببنود الاتفاق الموقع في 18 كانون الثاني/يناير الجاري، إلا أن ما منح الاجتماع ثقله السياسي، لم يكن فقط تمديد الهدنة، بل ما تسرّب عن ترشيح "قسد" ثلاث شخصيات لشغل مناصب عليا ضمن هيكل الدولة السورية، تشمل نائباً لوزير الدفاع، ونائباً لوزير الخارجية، إضافة إلى محافظ لمحافظة الحسكة.
من التهدئة إلى السياسة
الهدنة ليست إجراءً تقنياً منفصلاً عن السياق العام للصراع، بل تأتي بعد سنوات من التوتر المتقطع، والمواجهات المحدودة، والاتفاقات الهشّة التي كانت تنهار عند أول اختبار ميداني. الجديد هذه المرة، وفق ما تشير إليه المعطيات، هو انتقال النقاش من مستوى الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى مستوى البحث في شكل العلاقة السياسية والمؤسساتية بين "قسد" والسلطة المركزية في دمشق.
فالاتفاق الموقع في 18 يناير/ شكّل إطاراً نظرياً واضح يتحدث عن دمج قوات "قسد" ضمن الجيش السوري، وليس فقط التنسيق الأمني أو تقاسم مناطق النفوذ. غير أن هذا الاتفاق بقي، أسير التفسيرات المتناقضة، بين من رآه مدخلاً لتفكيك البنية العسكرية المستقلة لـ"قسد"، ومن اعتبره محاولة لإعادة إنتاجها داخل مؤسسات الدولة.
ترشيحات بحمولة سيادية
ترشيح أسماء لشغل مناصب بحساسية نائب وزير الدفاع ومحافظ الحسكة لا يمكن فصله عن هذه الإشكالية. فمن جهة، تحاول "قسد" تقديم نفسها كشريك مستعد للاندماج ضمن الدولة، لا كقوة أمر واقع تسعى إلى تثبيت حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع. ومن جهة أخرى، يبدو أن طرح هذه الأسماء يشكّل محاولة لضمان تمثيل سياسي وأمني داخل بنية القرار المركزي، بما يحفظ لـ"قسد" جزءاً من نفوذها في مرحلة ما بعد الدمج.
وتكتسب محافظة الحسكة، على وجه الخصوص، رمزية خاصة في هذا السياق. فهي تمثل مركز الثقل الجغرافي والسياسي لمناطق سيطرة "قسد"، وأي تعيين فيها لا يمكن أن يكون إدارياً صرفاً، بل يحمل أبعاداً أمنية وعشائرية واقتصادية معقّدة. وعليه، فإن ترشيح محافظ من قبل "قسد" قد يُقرأ كمحاولة لتكريس شراكة طويلة الأمد مع الدولة، أو كمؤشر على تفاوض صعب حول من يملك القرار الفعلي في المحافظة.
وحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا في اجتماع أربيل ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فالولايات المتحدة، التي شكّلت الداعم العسكري والسياسي الأبرز لـ"قسد" خلال الحرب على تنظيم "داعش"، تجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة: كيف تحافظ على نفوذها شرق الفرات، دون الانخراط في صدام مفتوح مع الدولة السورية وحلفائها، ودون التخلي الكامل عن حليفها الكردي؟
يبدو أن واشنطن تدفع باتجاه تسوية مدروسة، تضمن دمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة، لكن بشروط تحول دون تحوّل هذا الدمج إلى تصفية كاملة لدورها. ومن هنا يمكن فهم الدفع الأميركي نحو تمديد الهدنة، ومنحها غطاءً سياسياً يسمح بانتقال تدريجي من الميدان إلى طاولة الترتيبات النهائية.
دمشق ومعايير الدولة
في المقابل، تبدو دمشق حريصة على الإمساك بخيوط اللعبة، دون الانجرار إلى تنازلات قد تُفسَّر كإقرار بتعدد مراكز القوة داخل الدولة. فقبول مبدأ ترشيح أسماء من قبل "قسد" لا يعني بالضرورة القبول التلقائي بها، إذ تبقى الكلمة الفصل، نظرياً، للسلطة المركزية ومعاييرها في التعيين والإدارة.
وتدرك دمشق أن أي خلل في هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نموذج "الدولة داخل الدولة"، وهو ما تسعى إلى تفاديه بعد سنوات من الحرب التي أنهكت مؤسساتها. لذلك، فإن نجاح هذا المسار مرتبط بقدرة الدولة على فرض إطار واضح للاندماج، يضمن وحدة القرار العسكري والأمني، ويمنع تحويل المناصب الرسمية إلى واجهات لسلطات موازية.
من جهتها، تبدو "قسد" أمام خيارات محدودة. فالتغيرات الإقليمية، وتراجع الأولويات الأميركية في سوريا، وتصاعد الضغوط التركية، كلها عوامل دفعت القيادة الكردية إلى إعادة حساباتها. ولم يعد الرهان على بقاء الوضع القائم خياراً آمناً، في ظل هشاشة الغطاء الدولي، واحتمال تبدل المواقف في أي لحظة.
لذلك، يمكن قراءة قبول "قسد" بتطبيق اتفاق 18 يناير، والالتزام بشروطه التنفيذية، كتحول من سياسة المناورة إلى سياسة تقليل الخسائر. فالاندماج ضمن الدولة، حتى بشروط صعبة، قد يكون أقل كلفة من مواجهة مفتوحة مع دمشق، أو من ترك مصير مناطقها رهناً لتفاهمات دولية لا تملك التأثير فيها.
وفي الوقت عينه، لا يمكن إغفال وجود هواجس داخلية لدى الطرفين. داخل "قسد" نفسها، ثمة تيارات تخشى أن يؤدي الاندماج إلى تهميش القيادات الحالية، أو إلى تفكيك البنية التي تشكلت خلال سنوات الحرب. وفي دمشق، ثمة قلق من أن يتحول الدمج إلى عملية شكلية، تُبقي على الولاءات القديمة، وتُضعف مركزية القرار.
كما لا يمكن تجاهل موقف القوى العشائرية في شرق سوريا، التي تراقب هذه التطورات بحذر، وتسعى إلى ضمان عدم استبعادها من أي ترتيبات قادمة، خاصة في ما يتعلق بالإدارة المحلية وتقاسم الموارد.
على المدى القريب، يُرجّح أن يستمر تمديد الهدنة، بحسب ما توحي مخرجات اجتماع أربيل، وأن تشهد الأسابيع المقبلة خطوات رمزية لتطبيق الاتفاق، مثل الإعلان عن لجان مشتركة، أو تسريبات مدروسة حول أسماء المرشحين. غير أن الانتقال إلى دمج فعلي وشامل سيبقى مؤجلاً، بانتظار اختبار النوايا على الأرض.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|