تفاهم الضرورة… دمشق و "قسد" تختبران النيات
يأتي التفاهم الجديد بين الحكومة السورية و "قسد" ووقف إطلاق النار بينهما، في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسيّة، حيث تتقاطع حسابات الداخل السوري، مع المخاوف من انزلاق الأوضاع وانفجار جديد قد يطيح بالتفاهم المعلَن. وبموجب الاتفاق الأخير، أمام "قسد" مهلة أربعة أيام منذ ليل الثلثاء للتشاور ووضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق المتبقية تحت سيطرتها ضمن الدولة السورية، مع تأجيل بحث الجدول الزمني والتفاصيل المرتبطة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة، فيما لن تدخل القوّات السورية إلى القرى والبلدات الكردية.
غير أن ما يميّز هذا الاتفاق ليس بنوده المعلنة فقط، بل مهلة الأيام الأربعة التي رُبط بها وضع "قسد" خطة الدمج، ما يجعل منه اختبارًا سريعًا للنيات أكثر من كونه تسوية نهائية. فالمهلة الزمنية القصيرة تعكس انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين، إذ تريد دمشق ترجمة فورية على الأرض تثبت جدية "قسد" في الالتزام بالاتفاقات السابقة بين الطرفين، بينما تسعى "قسد" إلى ضمانات سياسية وأمنية تمنع تحوّل الاتفاق إلى أداة ضغط أو ابتلاع كامل لتجربتها العسكرية والإدارية. من هنا، هل يصمد الاتفاق هذه المرة؟
عمليًا، لا تسمح أربعة أيام بحلّ ملفات معقدة وشائكة. وبالتالي، فإن الاتفاق الأخير هو اتفاق الضرورة لا قناعة ثابتة لدى الطرفين، بحسب ما أفاد العميد الركن المتقاعد فادي داوود لـ "نداء الوطن"، الذي يرى في الاتفاق إدارة مرحلة سياسية لا تؤدّي إلى حلّ المواضيع الشائكة. فـ "قسد" تبحث عن مظلّة سياسية - أمنية بعد تراجع الضمانات الأميركية لتثبيت مكاسبها، في حين تريد دمشق استعادة السيادة بأقل كلفة، بدءًا بالكرد ثمّ الدروز.
وهذا الاتفاق، بحسب داوود، لا يحلّ الخلافات العميقة بين طرفي النزاع بل يؤجّلها، وبالتالي هو سيصمد على المدى القصير لتفادي الصدام، أمّا على المدى الطويل فهو اتفاق ضعيف وموَقت، إلّا إذا توافر له ضامن دولي أو تفاهم داخليّ واضح، وإلّا فإن الاتفاق معرّض للاهتزاز والسقوط عند أيّ تغيير لموقف دولي مؤثر، خصوصًا إذا أخذ الموقف التركي منحًى تصاعديًا. فأنقرة تراقب بدقة، وأي شعور بأن الاتفاق يكرّس كيانًا كرديًا مستدامًا، قد يدفعها إلى تصعيد عسكريّ ينسف التفاهم برمّته.
لهذا، يبقى الاتفاق هدنة سياسية أكثر من كونه تسوية نهائية، مع بقاء أربعة ملفات كبرى عالقة أمام الحلّ المستدام والنهائي، وهي السجون، السلاح، "الإدارة الذاتية" والنفط. فتأجيل البت بالقضايا الكبرى إلى جولات لاحقة من التفاوض، يؤجّل الخلاف ولا ينهيه. أوّلًا، ملف السجون ومعتقلي "داعش" يرى فيه العميد داوود ورقة ضغط استراتيجية بيد "قسد"، باعتباره غطاءً دوليًا لها، إذ تصنف نفسها شريكًا دوليًا بموجب سيطرتها على هذه السجون، بينما تريد الحكومة السورية الملف بيدها، وهنا يسأل داوود: هل دمشق قادرة على إدارة هذا العبء أمنيًا وسياسيًا ودوليًا؟ وبالتالي، لن تتخلّى "قسد" بسهولة عن إدارة السجون طالما أنها تشكّل آخر ورقة قوّة استراتيجية بيدها.
ثانيًا، في ملف السلاح والهيكلية العسكرية، هناك انقسام واضح بالأهداف، بحسب داوود، فدمشق تريد حلّ "قسد" ودمجها بالقوات السورية ومعها سلاحها، بينما تريد "قسد" الحفاظ على هيكليتها العسكرية وسلاحها المستقل.
في ملف "الإدارة الذاتية"، ترفض سوريا صيغة الحكم الذاتي أو الفدرالية، أمّا "الإدارة الذاتية" والاحتفاظ بالمكتسبات فهما خط أحمر بالنسبة إلى "قسد"، ما يجعل أي تسوية معقدة وبعيدة المنال. وفي ملف النفط، هناك صراع واضح على العائدات، فدمشق تريد هذه العائدات النفطية لها حصرًا، بينما تسعى "قسد" إلى الاحتفاظ بالتمويل والاستقلال بالقرار.
يرى داوود أن العقد كبيرة وشائكة بين الطرفين وصمود الاتفاق على المدى القصير ممكن، إلّا أنه بلا شك هدنة سياسية لا تسوية ثابتة على المدى الطويل. مهلة الأيام الأربعة لا تقيس القدرة على الحل، بل تقيس الاستعداد لمنع الانفجار، فإذا أحسن الطرفان إدارة الاختبار، قد يُفتح الباب أمام مسار تفاوضي أطول. أمّا إذا فشل الطرفان، فسيُعاد إنتاج الأزمة بصيغة أكثر حدّة، وربما بوقائع ميدانية جديدة تفرض نفسها بالقوّة لا بالتفاهم.
راشيل علوان - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|