إقتصاد

خارج النمو الطبيعي… ماذا يعني أن يكون لبنان في المرتبة 116 عالميًا؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يُقدَّر عدد سكان لبنان بنحو 5.8 ملايين نسمة، ما يضعه في المرتبة 116 عالميًا من حيث عدد السكان، وذلك وفقًا لتقديرات Worldometer المستندة إلى أحدث بيانات الأمم المتحدة الصادرة خلال شهر كانون الثاني 2026. غير أنّ هذه الأرقام، على أهميتها الإحصائية، لا تختصر وحدها عمق التحوّل الديموغرافي الذي يمرّ به البلد، في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة أعادت رسم خريطة المجتمع اللبناني على أكثر من مستوى.

وفي قراءة سوسيولوجية–ديموغرافية تستند إلى مفاهيم علم السكان وعلم الاجتماع الاقتصادي، توضح المتخصّصة في علم الاجتماع جمال الأشقر في حديث الى "ليبانون ديبايت"، أن لبنان لم يعد يُصنَّف ضمن المجتمعات التي تشهد نموًا سكانيًا طبيعيًا إيجابيًا ومستقرًا، بل يقترب تدريجيًا من نموذج المجتمعات المتقلّصة ديموغرافيًا.

وتشرح الأشقر أن لبنان "خرج من دائرة النمو السكاني الطبيعي الإيجابي نتيجة مجموعة عوامل متداخلة"، أبرزها "تراجع معدل الخصوبة الكلي إلى ما دون مستوى الإحلال السكاني البالغ 2.1"، إلى جانب "انخفاض عدد الولادات مقابل ثبات أو ارتفاع نسبي في عدد الوفيات"، وهو ما يرتبط مباشرة بتقدّم العمر وشيخوخة المجتمع، فضلًا عن موجات الهجرة الواسعة. وتشير إلى أن أي نمو سكاني قد يُسجَّل حاليًا "لا يعود إلى اللبنانيين أنفسهم"، بل يرتبط بعوامل غير طبيعية، وفي مقدّمها وجود اللاجئين، ما يعني أن لبنان يفتقد "النمو الديموغرافي البنيوي الحقيقي"، ويقترب من مرحلة الانكماش السكاني.

وبحسب علم الاجتماع الديموغرافي، تنقسم الأسباب التي تدفع الشباب المتعلّم إلى تأجيل الزواج أو العزوف عن الإنجاب إلى ثلاثة محاور رئيسية: اقتصادية، ثقافية، وبنيوية.

اقتصاديًا، أدّى انهيار القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، إلى جانب غياب الاستقرار الوظيفي وارتفاع معدلات البطالة، إلى تحويل الإنجاب من مسار طبيعي في الحياة إلى عبء اقتصادي طويل الأمد، في ظل ارتفاع كلفة السكن، والتعليم، والطبابة، وتربية الأطفال.

أما ثقافيًا واجتماعيًا، فتلفت الأشقر إلى تحوّل في منظومة القيم داخل المجتمع اللبناني، حيث بات التحصيل العلمي والعمل يتقدّمان على الزواج، وارتفعت النزعة الفردية والاستقلالية، بالتوازي مع تراجع الضغط الاجتماعي التقليدي نحو الزواج المبكر. وتضيف إلى ذلك "الخوف المتزايد من نقل الفقر وعدم الاستقرار إلى الأجيال المقبلة".

وعلى المستوى النفسي والبنيوي، تتجلّى الأزمة في فقدان الأمل بالمستقبل وانعدام الثقة بالدولة ومؤسساتها، ما جعل الهجرة خيارًا بديلًا عن بناء أسرة داخل لبنان.

ومن منظور علم السكان، تقول الأشقر إن العائلة اللبنانية انتقلت من نموذج يعتبر الإنجاب "قيمة اجتماعية بحد ذاته"، إلى نموذج يتعامل معه كـ"قرار عقلاني محسوب". وانعكس هذا التحوّل في تقليص عدد الأطفال إلى طفل واحد أو طفلين كحد أقصى، وتأجيل الإنجاب إلى ما بعد تحقيق الاستقرار المالي الذي غالبًا لا يأتي، فضلًا عن ارتفاع حالات العزوف الكامل عن الإنجاب لدى بعض الأزواج.

وتُصنّف هذه الظاهرة علميًا ضمن ما يُعرف بـ"الانتقال الديموغرافي المتقدّم"، وهو مؤشر بالغ الدلالة على التحوّلات العميقة التي تطاول البنية الاجتماعية.

وتؤكد الأشقر أن الوجود الواسع للاجئين لا يُعد تعويضًا ديموغرافيًا فعليًا عن هجرة اللبنانيين. فاللاجئون، وفق توصيفها، "لا يشكّلون جزءًا من التركيبة الديموغرافية الوطنية"، كما أن وجودهم "غير مستقر قانونيًا وسياسيًا"، ولا يساهم في تجديد القوى العاملة الوطنية بشكل منظّم، أو في دعم النظام الضريبي أو الضمان الاجتماعي.

وفي المقابل، يولّد هذا الواقع ضغطًا إضافيًا على الموارد، وتوترات اجتماعية واقتصادية متزايدة. وهنا تميّز مقاربات علم السكان بين "النمو السكاني العددي" و"النمو الديموغرافي البنيوي"، معتبرة أن لبنان يفتقد الثاني.

المؤشرات العلمية، بحسب الأشقر، تؤكد ذلك "بوضوح". فتراجع نسبة الأطفال والشباب، وارتفاع نسبة كبار السن ممن تجاوزوا 65 عامًا، إلى جانب هجرة الفئة المنتجة التي تتراوح أعمارها بين 18 و40 سنة، كلها عوامل أدّت إلى تراجع معدل الإعالة الشبابية مقابل ارتفاع الإعالة الشيخوخية.

وبذلك، يتجه لبنان نحو مجتمع مسنّ ديموغرافيًا قبل أن يصبح متقدّمًا اقتصاديًا، وهي حالة تُعد من أخطر السيناريوهات في علم السكان.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا