الصحافة

تخلٍّ أميركي جزئي عن "قسد": الشرع يوسّع مساحة نفوذه

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

برعاية أميركية، ووساطة من إقليم كردستان العراق، وتحت ضغط تركي متواصل، تمّ الإعلان عن حلّ «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وفق القرار الذي نشرت نصّه «وكالة الأنباء السورية» (سانا)، وظهر عليه توقيع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، وقائد «قسد» مظلوم عبدي. وسبق التوصّل إلى هذه الاتفاقية، التي تتضمّن 14 بنداً وتبدو كفّتها راجحة بشكل واضح لصالح الشرع، مناوشاتٌ ومعارك محدودة لم ترقَ إلى مستوى المواجهات الحقيقية، وذلك في ظلّ عمليات الانسحاب المتتالية التي نفّذتها «قسد» من مناطق سيطرتها، سواء في شرق الفرات، أو في بعض مناطق غربه (ريف دير الزور). وأتاح هذا الانكفاء دخول الفصائل التابعة للسلطات الانتقالية إلى الرقة والطبقة، وسهّل سيطرتها على عدد من حقول النفط، وسط تبادل للاتهامات بارتكاب مجازر في بعض المناطق، أبرزها ما جرى في «سجن الكنيسة» في مدينة الطبقة.

واتّهمت وكالة الأنباء الرسمية السورية «سانا»، «قسد» و«حزب العمال الكردستاني»، بارتكاب «إعدامات» بحق «السجناء والأسرى» قبيل انسحابهما من المدينة. ووصفت الحادثة بأنها «جريمة بشعة تضاف إلى سجلّ طويل من الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين السوريين». وفي المقابل، نفت «قسد» هذه الاتهامات، وقالت في بيان رسمي إن «خلايا مرتزقة الحكومة المؤقّتة» نفّذت «جريمة موثّقة داخل سجن الكنيسة»، مؤكّدة أنها كانت قد نقلت جميع السجناء إلى «أماكن آمنة خارج المدينة قبل ثلاثة أيام في إجراء احترازي». وأضافت أن «خلايا مسلّحة تابعة لدمشق بثّت مقطعاً مُصوّراً تؤكد فيه سيطرتها على سجن الكنيسة، في خطوة دعائية مدروسة سبقت تنفيذ الجريمة، وتكشف بشكل واضح الجهة التي تقف وراءها»، مشيرة إلى أن «المسلحين أنفسهم ظهروا في المقطع المُصوّر وهم يطلقون النار داخل سجن الكنيسة، في سلوك إجرامي موثّق بالصوت والصورة».

وبالتزامن مع حملة التصعيد العسكرية ضدّ مواقع سيطرة «قسد» في ريف الرقة - قبل أن تنسحب الأخيرة منها -، زار عبدي إقليم كردستان العراق، حيث عقد اجتماعاً مع رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، مسعود بارزاني، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس برّاك. وجاءت هذه الزيارة عقب إصدار الشرع مرسوماً تضمّن إقراراً بحقوق الكرد في سوريا، ومن بينها منح الجنسية لمكتومي القيد، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، وإقرار يوم 21 آذار عطلة رسمية بمناسبة «عيد النوروز». غير أن هذا المرسوم، الذي كان مُعدّاً في السابق وجرى الحديث عنه خلال الأشهر الماضية، تعرّض لانتقادات قانونية إثر نشره، باعتبار أن الحقوق لا تُمنح بمرسوم، وإنما بالدستور نفسه، الذي لا يزال قيد بحث طويل بعد إصدار «إعلان دستوري» حصَر صلاحيات الحكم بيد الرئيس الانتقالي.

وفي حديثها إلى «الأخبار»، أشارت مصادر كردية إلى وجود «حالة إحباط من الموقف الأميركي المنحاز بشكل مطلق إلى الشرع»، لافتة إلى أن «فرنسا اتخذت موقفاً مماثلاً»، وذلك بعدما أجرى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اتصالاً بالشرع دعا فيه إلى التهدئة، من دون ممارسة ضغوط فعلية. وبحسب المصادر، كان الموقف التركي الرافض لأي تسويات تُبقي على وجود «قسد» - بذريعة ارتباطها بـ«حزب العمال الكردستاني» - «الأكثر تأثيراً» في القرار الأميركي، وذلك في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط برّاك بأنقرة، والمديح المتكرر الذي يكيله الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان.

وأمام هذه المعطيات، وجدت «قسد» نفسها في مواجهة غير متكافئة مع فصائل السلطات الانتقالية المدعومة من تركيا، ما دفعها إلى الانسحاب تدريجياً من مناطق غرب الفرات. وفي الوقت نفسه، أثارت العشائر حالة إرباك في بعض المناطق شرقي النهر، خصوصاً في ريف دير الزور، بالتزامن مع إعلان تركيا بدء عملية عسكرية انطلاقاً من محور تل أبيض، استهدفت شطر مناطق سيطرة «قسد» شرقي الفرات إلى قسمَين غير متصلين. هكذا، أدّت الانسحابات المتتالية لـ«قسد» إلى خسارتها أكثر من 40% من مناطق سيطرتها، وهو ما أضعف موقعها التفاوضي، في وقت تمّ فيه تبرير التقدّم المستمرّ للسلطات الانتقالية بأن المناطق التي تسيطر عليها الأخيرة «مناطق عربية تاريخياً»، وأن بعضها لم يكن خاضعاً أصلاً لسيطرة «قسد» قبل سقوط النظام السابق.

وبينما كان مُقرّراً أن يزور عبدي دمشق ليجري اجتماعاً مع الشرع، بحضور برّاك، المهندس الفعلي للمتغيّرات التي تشهدها الساحة السورية، اكتفى الطرفان بإجراء اتصال هاتفي بسبب «سوء الأحوال الجوية»، تبعه إعلان الشرع إصدار قرار بوقف إطلاق النار، والكشف عن اتفاق مشترك يتضمّن 14 بنداً. وتمثّل أبرز هذه البنود في حلّ «قسد»، ودمج المقاتلين بشكل فردي، وإخراج العناصر الأجانب (الأكراد القادمون من جبال قنديل في العراق)، وتسليم «فلول النظام المختبئين» في مناطق «قسد»، بالإضافة إلى سحب السلاح الثقيل من عين العرب (كوباني)، على أن تبقى هذه الأخيرة خاضعة لإدارة أمنية من قبل القوات الكردية. ويضاف إلى ما تقدّم، دخول السلطات الانتقالية إلى المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، وفتح باب العودة للنازحين الأكراد من عفرين والشيخ مقصود، مع ضمانات بعدم التعرّض لهم.

وبالنظر إلى تلك البنود، يبدو أن الاتفاق قام على تقسيم المشكلة بين «قسد» (التي كانت تصرّ على الحفاظ على إدارتها الذاتية) والسلطات الانتقالية، إلى قسمين: المناطق ذات الوجود العربي تاريخياً ستخضع لسيطرة دمشق، والمناطق ذات الوجود التاريخي للأكراد (الحسكة والقامشلي وعين العرب) ستبقى في أيديهم، وذلك ضمن ما يشبه إدارة ذاتية مُصغّرة. وفي حين سيتمّ تسليم السجون والمخيمات التي تقبع فيها عائلات تنظيم «داعش» إلى سيطرة السلطات الانتقالية، سيتمّ الإبقاء على موظفي حقول النفط أنفسهم في مواقعهم، تحت إدارة حكومة الشرع.

بالنتيجة، تبدو التسوية التي تمّ التوصل إليها، نظرياً، الأكثر هدوءاً وتوازناً، والأقلّ دموية ومؤاتاةً لمشروع تقسيم سوريا؛ كما أنها تفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتعلّق مآلاتها بسلوك السلطات الانتقالية، وقدرتها على ضبط عناصرها. غير أن الناحية العملية لما جرى، يمكن اعتبارها تنفيذاً مباشراً لرغبات أنقرة، من دون أن تتخلّى واشنطن عن القوة الضاربة في «قسد»، والتي من المتوقّع الإبقاء عليها كتلة واحدة - شأنها شأن «جيش سوريا الحرة» الذي تمّ إلحاقه شكلياً بوزارة الداخلية تحت مسمّى «قوات مهمّات خاصة» -، باعتبارها قوة موثوقة لمحاربة تنظيم «داعش».

عامر علي - الاخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا