الدولة ليست أشخاصًا… بل قانوناً ومؤسسات
في كل مرة نطالب فيها بدولة حقيقية، يخرج من يسأل بسخرية: «وين الدولة؟» وكأن الدولة شخص غائب أو زعيم لم يحضر إلى الساحة. هنا تكمن المشكلة الأساسية: كثيرون فهموا مفهوم الدولة بشكل خاطئ، وخلطوا بينها وبين الأشخاص الذين يتولّون السلطة.
الدولة ليست رئيسًا ولا وزيرًا ولا نائبًا. الدولة ليست حكومة عابرة ولا وجوهًا تتبدّل مع كل مرحلة. الدولة هي منظومة قوانين ومؤسسات، وكيان جامع لكل المواطنين بلا استثناء.
الدولة هي المؤسسات
الدولة هي الجامعة التي يتعلّم فيها أولاد الفقراء قبل الأغنياء، وهي المدرسة الرسمية التي تفتح باب المستقبل لمن لا يملكون الواسطة. الدولة هي وزارة الصحة التي تؤمّن العلاج، والضمان الاجتماعي الذي يحمي العامل حين يمرض أو يكبر. الدولة هي وزارة الأشغال التي تعبّد الطرقات، والكهرباء والمياه والاتصالات، وهي القضاء الذي يجب أن يكون ملجأ المظلوم لا أداة بيد النافذين.
الدولة، ببساطة هي المؤسسات، هي العقد الذي يجمع الناس على قواعد واحدة، لا على مزاج الزعماء ولا على ميزان القوة. هي المساواة أمام القانون، والمحاسبة، وحفظ الكرامة، وتنظيم الخلاف بدل تحويله إلى صراع.
فساد المسؤولين
أما الأشخاص الذين يصلون إلى المناصب في بلادنا، ففي غالبيتهم فاسدون أو محميّون من الفساد. وهنا المفارقة المؤلمة: كثيرون ممّن يصرخون «وين الدولة؟» هم أنفسهم من يساهمون في إيصال هؤلاء الأشخاص، عبر الطائفية، أو العصبية، أو السكوت، أو تبرير الخطأ لأن «ابن جماعتنا».
الخلط بين الدولة والأشخاص هو أكبر خدمة تُقدَّم للفاسدين. فعندما تسقط هيبة الدولة بسبب فاسد، نُعلن فشل الفكرة بدل محاسبة الفرد. وعندما ينهب مسؤول، نلعن الدولة بدل أن نطالب بقانون يردعه وقضاء يحاسبه.
الدولة لا تمثّل فئة ولا طائفة ولا حزبًا. الدولة لكل المواطنين، ومن دونها يتحوّل الجميع إلى جماعات خائفة تبحث عن حماية خارج القانون. ومن دون الإيمان بالدولة كمؤسسات، نبقى ندور في حلقة الانهيار نفسها، نغيّر الوجوه ولا نغيّر الواقع.
المطلوب ليس أن نسأل «وين الدولة؟» بل أن نفهم ما هي الدولة، وأن نميّز بينها وبين من اغتصبها، وأن نطالب باستعادتها كقانون ومؤسسات، لا كأشخاص وشعارات. عندها فقط، يصبح للدولة معنى، وللمواطنة قيمة، وللمستقبل أمل.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|