زيارة عيسى لكهرباء لبنان: فك "للحصار" أم وعود جديدة؟
في اللحظات السياسية الدقيقة، تكتسب أي حركة ديبلوماسية خارج الإطار البروتوكولي التقليدي، دلالات تتجاوز بعدها الشكلي. قاعدة تنطبق على زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى مؤسسة كهرباء لبنان، لتفتح بابًا واسعًا من التساؤلات السياسية، تحديدا إذا كانت هذه الخطوة تمثّل بداية تحوّل في المقاربة الأميركية لقطاع الطاقة والكهرباء اللبناني، أم أنها مجرّد رسالة سياسية محسوبة، لا ترقى إلى مستوى "فكّ الحصار" المفروض فعليا على هذا القطاع الحيوي.
"فالكهرباء" في لبنان، تعدّ أحد أبرز عناوين الهدر والانهيار الشامل الذي أصاب الدولة، وهي في الوقت نفسه أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بالاشتباك السياسي الداخلي وبشروط المجتمع الدولي، مع تحوّلها إلى نموذج للفشل المؤسساتي، حيث تداخلت فيها المحاصصة السياسية مع غياب التخطيط وتراكم الديون، وفُقدان الثقة الدولية والمحلية بالقدرة على إصلاحها من دون تدخل خارجي مشروط. لذلك، لم يكن غريبا أن يصبح ملف "كهرباء لبنان" بندًا دائما على طاولة المفاوضات مع الجهات المانحة، ومقياسا أساسيا لمدى جدّية أي حكومة لبنانية في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
في هذا السياق، تبدو زيارة السفير الأميركي، على ما تصفها مصادر وزارية، خطوة ذات دلالات كبيرة، بعدما كان التعاطي الاميركي على مدى سنوات مع قطاع الكهرباء سلبيا أو حذرا، فارضة حصارا غير معلن، عبر الامتناع عن تقديم دعم مباشر من جهة، وربطها أي مساعدة بشروط سياسية وتقنية صارمة من جهة ثانية، لا تنسجم مع رؤيتها للحوكمة والإصلاح، كما حصل في ملفي الغاز المصري والكهرباء الاردنية، كما في الضغوط التي مورست على دول وشركات تبرعت بانشاء معامل لتوليد الطاقة.
من هنا، والكلام للمصادر، تطرح زيارة عيسى سؤالا أساسيا: هل نحن أمام تغيير في السلوك الأميركي أم أمام خطاب يعيد نفسه بواجهة ديبلوماسية أكثر نعومة؟ خصوصا أن عيسى دخل إلى قلب أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في الدولة اللبنانية، حيث تتقاطع مراكز النفوذ الرسمي والغير رسمي، مخلفة هدرا وفسادا.
وتتابع المصادر أن توقيت الزيارة لا يمكن فصله عن مجموعة متغيرات داخلية وخارجية، فداخليا، يحاول لبنان إعادة احياء فرص استثمارية محتملة في قطاع الطاقة، سواء عبر الغاز أو الكهرباء، مع قبرص، ومع مصر، فيما خارجيا، يحاول الاستفادة من تصاعد الصراع على موارد الطاقة، والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، إضافة إلى الحسابات المعقّدة المرتبطة بأمن إسرائيل واستقرار الحدود اللبنانية.
لذلك، تؤكد المصادر ان مجرد دخول السفير الأميركي إلى مؤسسة كهرباء لبنان، والاطلاع على خططها وواقعها، وإطلاق مواقف داعمة ولو بشروط، يوجّه رسائل متعددة الاتجاهات:
- إلى السلطة اللبنانية بأن باب الدعم ليس مغلقًا بالكامل.
- إلى المانحين الدوليين بأن واشنطن تتابع هذا الملف.
- وإلى القوى الداخلية بأن الولايات المتحدة لا تزال تعتبر قطاع الكهرباء ساحة تأثير استراتيجي وليس مجرد ملف خدماتي، وبالتالي لن يسمح لاي كان تخطيه، خصوصا ان خلفية السفير عيسى ليست بعيدة عن كل هذا.
المصادر التي رأت ان الاسترسال في الايجابية قد لا يكون في محله، تساءلت عما اذا كانت الاشارات التي اطلقها عيسى من "مار مخايل"، كافية للجزم بان واشنطن قررت تغيير "سلوكها"، خصوصا ان نائبا سابقا نقل قبل مدة قصيرة معلومات عن متابعين خارجيين للملف عن قرب، تأكيدهم ان "اصلاح وضع الكهرباء بعد بكير عليه"، كاشفة ان الاهم يبقى في ما يمكن ان يفضي اليه هذا الملف عمليا، من رفع للقيود عن التمويل، وتسهيل "للشراكات"، أو دعم مشاريع إنتاج الطاقة من دون ربطها بالكامل بالتجاذبات السياسية.
وختمت المصادر، في أحسن الأحوال تشكل خطوة عيسى اختبارا للنيات الأميركية تجاه الدولة اللبنانية، وفرصة أمام السلطة، في المقابل لاستثمار هذا الانفتاح النسبي، والا فسيبقى "الحدث" في إطاره الرمزي، كجزء من ديبلوماسية الاحتواء وإدارة الأزمة لا حلّها. وفي الحالتين، فإن قراءة هذه الزيارة تتطلب مقاربة هادئة وواقعية، توازن بين التوقعات والوقائع، وتضعها في سياقها السياسي الأشمل.
ميشال نصر -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|