دير حافر بعد الأشرفية والشيخ مقصود: تركيا لا تأخذ استراحة
لم تكد معارك حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية تنتهي، إثر قبول القوات الكردية (الأسايش) الانسحاب منهما، والذي أعقب مواجهات عنيفة تخلّلتها مجازر وعمليات تمثيل بالجثث على أيدي مقاتلين تابعين للسلطات الانتقالية - عُرضت تسجيلات مصوّرة لبعضها -، حتى بدأ التحشيد نحو منطقة أخرى في ريف حلب الشرقي، تمهيداً على ما يبدو للهجوم عليها. ويدلّل ذلك التعاقب على أن تركيا ليست في وارد التراجع عن مسعاها الذي بدأ منذ سنوات، لدفع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) نحو مناطق أبعد في الشرق.
وسبقت الهجومَ على حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، ضغوط متنوّعة استمرّت بضعة أشهر، وشملت منع إدخال المواد التموينية - في ما يشبه الحصار -، قبل أن تتدحرج المعارك، وتنتهي بقبول الأكراد الخروج من الحيَّيْن، والتوجه إلى دير حافر في ريف حلب الشرقي، بعد وساطة وضغوط أميركية. وخلال الهجوم الذي نفّذته السلطات الانتقالية، تابعت تركيا تفاصيل المعارك بدقّة، ولا سيما أن قسماً وازناً من القوات المشاركة فيه يتبع لـ«الجيش الوطني» المُموَّل من أنقرة، والذي يُفترض أنه بات منضوياً ضمن وزارة الدفاع الناشئة.
أمّا الموقف الأميركي، الذي أعلنه المبعوث الخاص إلى سوريا، توماس برّاك، فبدا أقرب إلى السلطات الانتقالية، وإن تعامل مع كل من الأخيرة و«قسد» على أنهما حليفان لواشنطن. وجدّد برّاك، عقب لقائه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، القول إن الرئيس دونالد ترامب «يؤكد أن هذه اللحظة تمثّل فرصة محورية لسوريا الجديدة: أمة موحّدة تُعامَل فيها كلّ المكوّنات باحترام وكرامة، وتُمنح مشاركة فعّالة في مؤسسات الحوكمة والأمن». وأشار إلى أن الرئيس الأميركي كان قد وافق «تقديراً لهذه الفرصة»، على رفع العقوبات عن سوريا، مكرّراً دعم حكومة الشرع، في «جهودها الرامية إلى ترسيخ استقرار البلاد، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية».
وذكّر بأن بلاده «لطالما دعمت الجهود الهادفة إلى هزيمة تنظيم داعش وتعزيز الاستقرار في سوريا، بما في ذلك من خلال عملية «العزم الصلب» وشراكتنا مع «قسد»، التي كانت تضحياتها ركيزة أساسية في تحقيق مكاسب مُستدامة ضد الإرهاب». وأشار برّاك إلى أن «الحكومة السورية جدّدت التزامها باتفاقية الدمج الموقّعة في آذار 2025، والتي تضع إطاراً لإلحاق قوات «قسد» بالمؤسسات الوطنية، على نحو يصون الحقوق الكردية ويعزّز وحدة سوريا وسيادتها». وحذّر من أن التطورات الأخيرة في حلب، التي «تبدو كأنها تمس بنود هذا الاتفاق، تثير قلقاً بالغاً»، داعياً جميع الأطراف إلى «أقصى درجات ضبط النفس، والوقف الفوري للأعمال العدائية، والعودة إلى مسار الحوار وفقاً لاتفاقيتَي 10 آذار و1 نيسان 2025». ونبّه إلى أن «العنف يهدّد بتقويض التقدّم المُحرز منذ سقوط نظام الأسد، ويفتح الباب أمام تدخّلات خارجية لا تخدم مصلحة أي طرف»، مؤكّداً استعداد بلاده «لتسهيل انخراط بنّاء بين الحكومة السورية و»قسد» لدفع عملية دمج شاملة ومسؤولة».
وبينما أثار الموقف الأميركي حالة غضب عارمة في الأوساط الكردية، بسبب ما اعتُبر ميلاً لصالح السلطات الانتقالية، بدأت تركيا التحضير لمعركة محتملة أخرى في ريف حلب الشرقي. وفي هذا السياق، أعلنت «هيئة العمليات» في الجيش الناشئ حالة استنفار لقواتها، بعد رصدها تحرّكات عسكرية لـ«قسد» في منطقة دير حافر في ريف حلب الشرقي. وقالت الهيئة إنها رصدت، عبر طائرات الاستطلاع، استقدام «قسد» مجموعات مسلحة وعتاداً متوسّطاً وثقيلاً إلى جبهة دير حافر، مضيفة، وفق وكالة «سانا»، أن طبيعة هذه الحشود والتعزيزات لا تزال غير واضحة حتى الآن، وسط مؤشّرات إلى تحركات عسكرية «غير معتادة» في المنطقة. وتابعت أن «القوات المسلحة السورية رفعت مستوى الجاهزية، وعزّزت خطوط الانتشار في شرق حلب، تحسّباً لأي تطورات ميدانية محتملة»، مؤكدة استعداد تلك القوات «لجميع السيناريوهات».
وتتّسق حملة التصعيد الجديدة حول دير حافر مع سابقتها التي كان شهدها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية، الأمر الذي يصبّ، في مجمله، في النهج ذاته الذي تعمل تركيا على ترسيخه، والذي يهدف في نهاية المطاف إلى إنهاء «الإدارة الذاتية» الكردية. غير أن هذا الهدف، وعلى الرغم من التراجع الكردي في حلب، لا يزال بعيد المنال؛ ذلك أن الطروحات الداعية إلى فدرلة سوريا لا تفتأ تتنامى، ومن غير البعيد أن تجد سبيلاً لها إلى الواقع، ولا سيما مع استمرار عمليات الفرز الطائفي والعرقي التي تشهدها البلاد منذ أشهر، والتي تمّ خلالها دفع الدروز جنوباً، والعلويين غرباً، فيما يُدفع الأكراد اليوم نحو الشرق.
عامر علي -الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|