لماذا الآن؟ قراءة في توقيت تفجير حلب سياسيًا وعسكريًا
لليوم الثالث على التوالي تشهد أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بحلب حالا من التصعيد ما بين القوات الحكومية وقوات «الأسايش» التابعة لـ«قوات سوريا الديموقراطية»، التي قضى اتفاق 1 نيسان 2025 بإخلاء هذه الأخيرة لتلك الأحياء على أن تتولى الأولى مهمة حفظ الأمن والاستقرار في تلك الأحياء التي يغلب على تركيبتها الطابع الكردي، وفور اندلاع الاشتباكات، يوم الثلاثاء، تبادل الطرفان الاتهامات بإشعالها، حيث أصدرت «قوات سوريا الديموقراطية» بيانا أكدت من خلاله أن «لا وجود لقواتها في المناطق التي تجري فيها الاشتباكات»، لترد الحكومة السورية ببيان جاء فيه : إن «تأكيد قوات سوريا الديموقراطية عدم وجودها العسكري داخل مدينة حلب، كما ورد في بيانها، يعد إقرارا صريحا يعفيها كليا من أي دور، أو تدخل، في الشأن الأمني والعسكري للمدينة، ويؤكد أن المسؤولية الحصرية عن ضبط الأمن، وحماية السكان، تقع على عاتق الدولة السورية ومؤسساتها الشرعية، وفقا للدستور، والقوانين النافذة»، وقد شكل هذان البيانان الصادران صباح يوم الثلاثاء مؤشرا على احتمالية حدوث تصعيد أكبر، الأمر الذي بدت ملامحه بالوضوح منذ ساعات بعد ظهر هذا اليوم الأخير، فقد ذكرت وكالة «الأ BBC أن «القوات الحكومية تستهدف حاليا مقرات ومواقع (قوات سوريا الديموقراطية) باستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، في وقت تجري فيه مفاوضات لتسليم (قسد) السيطرة على المنطقة للجيش والقوى الأمنية»، وصباح يوم الخميس أعلنت محافظة حلب عن «مهلة جديدة لخروج السكان من أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد تنتهي عند الساعة الواحدة» من بعد ظهر اليوم ذاته، وبعد دقائق على ذلك الإعلان أصدرت «هيئة العمليات في الجيش العربي السوري» بيانا جاء فيه أنها «ستبدأ عند الساعة الواحدة والنصف باستهداف مركز على مواقع (قسد) في الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد»، بعدما شهدت تلك الأحياء، ليل الأربعاء، هدوءا نسبيا بعد جولات متكررة من الاشتباكات، وفي الغضون كانت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية بـ«الإدارة الذاتية»، قد اتهمت في سلسلة تصريحات لها وزارة الدفاع السورية بـ«إعلان حرب إبادة ضد الأكراد في حلب»، أما الأمم المتحدة فقد حذرت من «تدهور الوضع الإنساني في حلب»، ودعت إلى «خفض فوري للتصعيد، والعودة إلى المسار السياسي، وتنفيذ اتفاق 10 آذار بين الطرفين»، واللافت في هذا السياق أن التصريحات الإسرائيلية، التي جاءت بسقوف عالية ل».
لا يمكن فصل جولة التصعيد الأخيرة في حلب عن معطيين اثنين، الأول جولة التفاوض التي أجرتها قيادات من «قسد» في دمشق يوم الأحد 4 كانون الثاني الجاري، والتي لم تفض إلى أي نتائج تذكر، الأمر الذي فهمته دمشق على نحو يؤكد لها أن «اتفاق 10 آذار» قد بات خارج التداول، أو أن قابليته للتطبيق، قد ضعفت بعدما انقضت مهلة نهاية العام، وللأمر رمزيته، التي كانت معطاة لـ«قسد» للانخراط بشكل نهائي داخل أطر ومؤسسات الدولة السورية، الثاني هو مفاوضات باريس، التي جرت يومي الاثنين والثلاثاء، بين دمشق وتل أبيب، وبعيدا عن التقارير التي أشارت إلى إنجاز «90% من الاتفاق الأمني بين الطرفين»، فقد بات من المؤكد أن دمشق أرادت من ذلك الاجتماع «تحييد» الجانب الإسرائيلي عن التصعيد الذي كان مرتقبا في حلب لأسباب عديدة، والراجح هو أنها استطاعت أن تفعل، وأن تضمن عدم تكرار سيناريو منتصف تموز الفائت عندما قامت تل أبيب بقصف مبنيي الدفاع والأركان في دمشق كوسيلة لكبح جماح قوات وزارة الدفاع نحو عمق مدينة السويداء.
توقيت التصعيد لم يكن بريئا، وهو جاء بالتزامن مع حراك أمني سياسي تركي، ومن المؤكد أن أنقرة كانت قد مضت فيه نحو ممارسة أقصى الصغوط على دمشق، التي تدرك أن مسارها الماضي باتجاه اتفاق «سلام» مع اسرائيل برعاية أميركية، سوف يفضي إلى إعادة تقييم شاملة لدور الفصائل المسلحة المنتشرة على امتداد البلاد، ولذا فإن الضغط على الأحياء الكردية في حلب هو أقرب لمحاولة استباقية بهدف خلط الأوراق من جديد، وتقديم انجاز ميداني سريع يمكن استخدامه كورقة تفاوضية بيد أنقرة التي تشعر بتراجع دورها على الساحة السورية.
بات الآن مؤكدًا أن قصارى ما ستذهب إليه تل أبيب هو تصريحات ساعر السابقة، أما واشنطن فلم تبد، للآن، أي استعداد لتخليها عن قوات «قسد»، وعليه فإن الصراع الدائر في حلب راهنا، والذي يمكن له أن ينتقل في غضون أيام إلى خطوط التماس بمدينة الرقة، يعكس صراعا بين تيارين، الأول الذي يستند إلى جماعات راديكالية تبحث عن فرض أمر واقع بشكل سريع، وبدعم كامل من أنقرة، والثاني تيار مدعوم أميركيا، وهو يسعى إلى ترسيخ صورة ليبرالية للقيادة «السنية» الحاكمة، وهي أقل صدامية، وأكثر قابلية للتسويق، ومن المؤكد أن حالة التشاد التركية الأميركية الراهنة، وما ستفضي إليه، سوف تقرر محصلتها غلبة هذا التيار، أو ذاك.
عبد المنعم علي عيسى -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|