جريمة الدامور... والقرارُ الجريء
أوقفت مديريّةُ المخابرات في الجيش اللبناني قاتلَ الشاب خليل أبو مراد ابن بلدة الدامور الساحليّة الشوفيّة، ووالدَ المجرم الذي دبّر مع ثلاثة آخرين، كميناً للشاب البالغ ستّة وثلاثين عاماً، أودى بحياته بعشرات الرصاصات من رشّاشٍ حربيّ. لا همّ إذا اسمُ الفاعل زيد أو عمر، فهو لا يستحقّ ذكرَ هويّته ولا طائفته ولا دينه لشناعة فعلته وعقله الإجراميّ السافك والمتعطّش للدماء الغاليّة بدمٍ بارد لا لون له.
سارع الداموريّون إلى قطع طريق الاوتوستراد استنكاراً. كان تحرّك الأجهزة أسرع منهم، لمنع أيّ تطوّر "قتنويّ طائفيّ" غير محسوب النتائج، خشية أن تكون للجريمة أبعاد سياسيّة في منطقة مختلطة. ولكن بعد مرور أقلّ من ثمانٍ وأربعين ساعة على الجريمة النكراء، تمّ توقيف الجاني ووالده الذي "ظهر" متبجّحاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، متبنّياُ الفعل الجرميّ ومبرّراً عملَ ابنِه بما يُشبه "جريمة شرف" لحقت بعائلتهم.
سرعان ما رفض عدد من فاعليات الدامور الرسمية والروحية هذا التفسير، معوِّلين على دور الأجهزة الأمنية والقضائية المعنيّة في كشف ملابسات الحادث، مع تركيزهم على "آدميّة" الشاب أبو مراد، واستبعادهم هذه الفرضيّة، خصوصاً أنّ والد القاتل "ادّعى" أنّ القتيل كان يحمل سلاحاً، وهو الذي بادر باطلاق النيران. لكّن أوّل معلومة من التحقيق كشفت أنّ الضحيّة غير مسلّح. وهذا الادّعاء ليس إلّا لوضع فِعْلة الجناة في إطار الدفاع عن النفس، للتخفيف من وطأة العقاب.
حتى الساعة، لم يَكشف التحقيق الذي أصبح في عهدة القضاء المختصّ سببَ الجريمة، أو أقلّه لم يعلن عن النتائج والدوافع. وقد يتأخّر الأمر كما جرت العادة في حوادث جرميّة أو اغتيالات سابقة، لأسبابٍ عدّة، من بينها اتاحة المجال للتدخّلات في القضاء، العطلة القضائيّة الصيفيّة وعطلة نهاية الأسبوع، أو التوسّط مع طرفّيْ "الاشكال" من قبل سعاة الخير للتوفيق أو دفع "الجنيّة" أو...
بالعودة إلى الضحيّة المأسوف على شبابه، فقد أحزن عائلته وخظيبته وأصدقاءه وعارفيه وزملاءه في العمل وغالبيّة أهالي بلدته المُسالِمة. علماً أنّ أحدَ أبنائها ايلي الغريّب (38 عاماً) قُتل غدراً عام 2007 في شرقِ بيروت على يد عنصرٍ أمني، قيل وقتها بسبب خلاف على أفضليّة المرور. سببٌ لم يُقنِع أحداً حتى الساعة.
تُسجَّل جرائم في مختلف المناطق اللبنانية يوميّاً. من دون تعداد قتلى حوادث السير، والسرقات والتعدّيات على الأملاك العامة والخاصة. يعود ارتفاع منسوب الجريمة إلى سببين اثنين: شبه غياب الأجهزة الأمنية والقضائية عن القيام بدورها المطلوب في تنفيذ القانون، والسلاح المتفلّت بين الناس، خصوصاً بين أيدي "المسنودين" الذين يدخلون السجن في الليل، ويخرجون منه في اليوم التالي. حتى أنّ قضاء الأمور المستعجلة ليس "مستعجِلاً" في تحديد الجلسات واصدار الأحكام.
لا بدّ من لفت الانتباه إلى أن القناعة لدى اللبنانيين وميلهم الأوّلي إلى الاعتقاد بأنّ الجريمة السياسيّة تختلف عن الجريمة العاديّة. وهذا التصوّر مفهوم خاطىء جدّاً. الجريمة جريمة. لا أكثر ولا أقل. تستوجب العقاب والمحاسبة. كما أنّ قياس ردّة فعل الشارع إزاء كون الحادث طائفياً أو مناطقياً أو عائلياً أو لا هو قياس خاطىء. لا جريمة عادية أو عرضية أو جانبيّة.
أمّا لماذا الدامور ووجوب تجنيبها الكأس المرّ والعذاب الذي ما تزال تشربه منذ خمسين عاماً؟ ليست الدامور بعيدة عن احياء ذكرى نصف قرن على تهجيرها، وسقوط 500 شهيد من أبنائها، وحرق كنائسها، وتدمير بيوتها وجرف مدارسها، وتحويلها صحراء منكوبة مهجورة، بإستثناءِ سهلِها الذي أبقاهُ الغزاة والمحتلّون أخضر يستفيدون من أرضه المعطاءة وغلاله الوفيرة.
هذه الحوادث الأمنيّة ومثيلاتُها من سرقات وطغيان النازحين السوريّين في أرجاء البلدة، هي خطيرة جداً على مستقبل الواقع الديمغرافي للبلدة، وتُشكّل دافعاً سلبيّاً لعدم "لهفة"الداموريّين إلى العودة والاستقرار فيها. من هنا، لم تتعدّ نسبة العودة الـ 25% أو 30% خلال 35 عاماً من بدء مسيرة العودة. كما أنّ إعمار البلدة قد تكون نسبته بمعدّل العائدين نفسه. هذه الأرقام االتي تحقّقت بين 1991 لغاية اليوم صادمة ومخيفة. مسيرة العودة أقرّتها وثيقة الوفاق الوطني، ووُضعت أُسسها رسمياً في المؤتمر الذي نظّمته وزارة المهجّرين في فندق الكارلتون أثناء تولّي الوزير الراحل الياس حبيقة الحقيبة. وتأسّس الصندوق المركزي للمهجرين ودفع تعويضات الاعمار والترميم.
أعلن وزير المالية ياسين جابر عن قرض بمليار دولار من البنك الدولي لاعادة اعمار الجنوب. لماذا لا يُطالب نواب الشوف بتخصيص جزء ولو يسير من هذا القرض لمهجّري الدامور غير المكتملة الاعمار والبناء والبنى التحتيّة؟ هل يجوز بعد 35 عاماً على تثبيت مسيرة "السلم الأهلي" استمرار وجود مهجّرين من الدامور لم يعودوا إلى بلدتهم، إما لرفضهم العودة وإمّا لعجز امكاناتهم. والمطالبة للدامور انطلاقاً من كونها أكبر المدن الساحلية في الشوف، وتعتبر عاصمة القضاء.
من يمرّ على طريق الدامور، لا يلاحظ شرقاً إلا أبنية قائمة على هياكل باطونيّة، وشرقاً سهلاً مزروعاً بالموز، هذه الزراعة التقليديّة التي لا توفّر المردود الكافي لتأمين عيش كريم للمزارع. هل فكّر أبناءُ البلدة ومرجعيّاتها بضرورة وضع خارطة طريق اقتصاديّة-انمائيّة-اجتماعيّة للصمود ومن ثمّ الانطلاق بورشة نهضويّة استثنائية تعطي الدامور حقّها والأزدهار والبحبوحة لأبنائها؟ خطّة تثبّت العائدين، وتحفّز وتستقطب وتزيل قلق وتشجّع غير العائدين؟
يوجد في الدامور عقلاء وحكماء ورجال. عندما تلتقي الرجولة مع الحكماء يأخذون القرار الصائب والجريء. آن الآوان.
الصحافي جوزيف المتني
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|