سياسيّ كرديّ : الخلاف بين دمشق و"قسد" أعمق من اللّقاءات البروتوكوليّة
هذه هي قصّة جبران باسيل مع سلاح "حزب الله"

لو لم يؤّمن "التيار الوطني الحر" على مدى سنوات الغطاء المسيحي لسلاح "حزب الله" لكان من السهل على الدولة اليوم التوصّل إلى حلّ يرضي الجميع. فهذا الغطاء الذي أمنّه "
التيار" لـ "الحزب" يوم كان الرئيس ميشال عون رئيسًا له استمر مع النائب جبران باسيل، ولكن بزخم أكبر، في حين انتقل هذا الغطاء مع وصول "الرئيس القوي" إلى رئاسة الجمهورية من صبغته المسيحية الصرفة إلى الصبغة الشرعية عندما لم يترك رئيس الجمهورية مناسبة سواء في الامم المتحدة أو في مصر إلاّ واستفاد منها لإضفاء الصبغة الشرعية على سلاح "المقاومة الإسلامية"، وقد أدخل معادلة "الشعب والجيش والمقاومة" في أساسيات العمل السياسي عبر تضمين البيانات الوزارية هذه المعادلة أو ما يشبهها. وهذا الغطاء قد أعطى القيمين على "المقاومة" اعتبار سلاحها معترفًا به شرعيًا من قِبل الدولة اللبنانية. وهذا ما يجعل هذا الملف معقدًّا أكثر مما يتصوره البعض حتى أن البعض ذهب بالمطالبة بتطبيق العرف على حساب الدستور.
إلاّ أن المواقف الاخيرة لرئيس "التيار" النائب جبران باسيل الداعية إلى نزع سلاح "حزب الله" وحصره بالدولة اللبنانية جاءت متأخرة. وهذا ما جعل هذه المواقف من دون جدوى سياسية على رغم أن بعض الذين لا يزالون يراهنون على عودة "التيار" إلى قواعده سالمًا يشيرون إلى أن خطوة باسيل، وإن جاءت متأخرة، فهي أفضل من ألا تأتي أبدًا.
فالمهندس باسيل، الذي كان من بين مهندسي اتفاق "مار مخايل"، لم يستفد كثيرًا من تحالف "التيار" مع "حزب الله" سوى بما أمّن لتياره حضورًا نيابيًا بدا في توقيت معين "مبهبطًا"، فيما استطاع "الحزب" أن يستثمر سياسيًا من خلال هذا الاتفاق أضعافًا مضاعفة، وبالأخصّ في مراحل مفصلية، جعلته يواجه جميع الذين كانوا يعترضون على سلاحه حتى قبل أن تقرّر الحكومة تكليف الجيش وضع خطّة لتسلم هذا السلاح.
فقد أختار باسيل توقيتًا غير مناسب، في نظر كثيرين، ليعلن انقلابه شبه الكامل على الخط الذي سار عليه طوال عشرين عاماً. وخطأ هذا التوقيت جاء متزامنًا مع زيارة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني لبيروت، والذي أعطى "الحزب" "أوفر دوز" من الدعم المعنوي، مما جعله يتمسّك بسلاحه أكثر من أي وقت مضى.
لقد نقض باسيل بموقفه هذا اتفاقية "مار مخايل"، بل أكثر من ذلك حين اعتبر أي سلاح خارج الدولة غير شرعي، وأن وظيفة سلاح "حزب الله" الردعية قد سقطت بعد مشاركته الأحادية في الحرب الأخيرة، وأن بقاء السلاح خارج سلطة الدولة بات يشكّل مصدر تهديد وخطر على لبنان.
الخلاصة أن تراجع باسيل عن اتفاقه مع "حزب الله" لن تضيف أي جديد إلى المشهد سوى أنها براغماتية فاقعة، وقفز متأخر من السفينة والذهاب نحو خيارات معينة لأسباب انتخابية لن يغير من تاريخ التخبط السياسي الأول الذي سببته الأفكار المتعالية على الواقع.
وقبل أن يتخذ باسيل قرار قطع "شعرة معاوية" بينه وبين "حزب الله" خصّص حلقات نقاش داخلية طويلة وعريضة، وذلك لكي يكون على بينّة من إيجابيات هذا القرار ومن سلبياته في الوقت ذاته.
ونتيجة كل هذه العملية النقاشية توصّل إلى قناعة بأن استمرار علاقته مع "حارة حريك" ستضرّه مسيحيًا وانتخابيًا أكثر مما يمكن أن تفيده. وهو بذلك يكون كمن يراهن على مستقبله السياسي بما تبقّى له من "صولد"، خصوصًا أن ثمة شائعات بأنه لن يترشّح في البترون هذه المرّة، وذلك نظرًا إلى ارتفاع أسهم مجد بطرس حرب في وجهه.
ولكن ثمة معطيات لا بدّ من أن تدفع باسيل إلى إعادة النظر بما يمكن أن يستجدّ من معطيات من الآن وحتى شهر أيار المقبل، الموعد المبدئي للاستحقاق الانتخابي، خصوصًا أن فكّ تحالفه مع "الحزب" سيخسره على الأقل ستة مقاعد نيابية، خصوصًا إذا التزمت حركة "أمل" مع الموقف، الذي يمكن أن يتخذه "حزب الله" انتخابيًا، وتحديدًا في منطقة جزين، وفي بيروت.
ويتردّد في أروقة "حارة حريك"، على رغم انشغالها بملف حصرية السلاح، أن "الحزب" قد يجد نفسه مضطّرًا لنسج تحالفاته الانتخابية مع مرشحين هم على خصومة مع باسيل، سواء في بعبدا وجبيل وزحلة والبقاع
الغربي، ومن بينهم النائبان الآن عون في بعبدا وسيمون أبي رميا في جبيل على سبيل المثال لا الحصر.
وهكذا يكون باسيل قد سجّل على نفسه وعلى تياره فشلًا جديدًا، وإن حاول لملمة ما تسبّبت به مواقفه المتأرجحة بين تقليد مشية الحجل أو المحافظة على مشية الغراب.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|